ثمَّ تدعو الملائكة قائلة: ياربَّنا إنك أنت العزيز الَّذي لا يُغلب، والقوي الَّذي لا يمتنع عليه شيء، والحكيم الَّذي لا يفعل إلا ما فيه المصلحة لعباده المؤمنين، فاصرف عنهم عاقبة سيِّئاتهم الَّتي كانوا قد أتوها قبل توبتهم، ولا تؤاخذهم فتعذِّبهم بها، فمن تَصْرِف عنه سوء عاقبة ما اجترح من الآثام، يوم القيامة، فقد رحمته ونجَّيته من عذابك. ذلك هو الفوز العظيم الَّذي لا مطمع وراءه للطامعين، فقد وجدوا بأعمال منقطعة نعيمًا لا ينقطع، وحازوا بأفعال قليلة مُلكًا لا ينفد، عطاءً من ربٍّ كريم لا تبلغ العقول كنه جلاله وجماله، فسبحان الله عمَّا يشركون!.
الفصل الثالث:
خلق الجن
سورة الرحمن (55)
قال الله تعالى: {وخَلقَ الجانَّ من مارجٍ من نار (15) } .
تدلُّ هذه الآية الكريمة دلالة قطعيَّة على وجود الجنِّ كمخلوقات حية ذات منشأ يختلف عن منشأ الإنسان، فإذا كان الإنسان قد خُلق من تراب فإن الجانَّ ـ ببيان الله تعالى ــ قد خُلقوا من مارج من نار. والمارج: هو الشعلة الصاعدة ذات اللهب الصافي الَّذي لا دخان فيه، المختلط الألوان. والمصدر الموثوق الوحيد لبيان خلق الجان هو ما جاء به الوحي من خبر الله الصادق، لأن حقيقة خلقهم خارجة عن حدود العلوم البشرية.
وللجانِّ قدرة على الحياة في هذه الأرض بالمشاركة مع الإنس، ولكننا لا ندري عن نمط معيشتهم شيئًا، وهم مخاطَبون ومعنيُّون بهذا القرآن، الَّذي ورد ذكرهم فيه وفي أكثر من موضع، موضِّحًا جوانبَ من حقيقتهم وبعضًا من صفاتهم، وأهمُّها: