لقد أنزل الله تعالى في الآية الأولى ما أخاف المسلمين، فهي تنبِّئهم بأن الله سبحانه مالك لكلِّ ما في السموات والأرض، مطَّلعٌ على ما فيهن، عالمٌ بظواهر الأمور وبواطنها، ومحاسبٌ عليها جميعًا. وقد قال الصحابة ما قالوه لأنهم يرجون الوصول إلى الكمال الخلقي والعملي برغبة صادقة، ولكنهم أدركوا الضعف البشري الَّذي يتسلَّط على النفوس في بعض اللحظات، كالغضب والحبِّ والبغض والكراهية، وما إلى ذلك من جملة الانفعالات، الَّتي تولِّد لدى الإنسان خواطرَ وأفكارًا شتَّى، لا يستطيع التحكُّم بها في لحظتها، لأنها أمور قلبية نفسية بعيدة عن الإرادة والاختيار، فأقبلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ملتجئين إليه ممَّا يعتصر قلوبهم من الخوف، لعدم أهليَّتِهم لتحمُّل ما تكلِّفهم به الآية، مدفوعين بالرجاء من حضرة الله عزَّ وجل ليخفِّف عنهم بعض ما أصابهم. ويطالبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال دون اعتراض، كي يُقدِّموا الدليل الساطع على صحَّة إيمانهم واستسلامهم لأمر الله، فيكونوا من أصحاب السمع والطاعة؛ ويمتثل الصحابة الكرام وينجحون في الامتحان، فتأتيهم البُشرى من عنده سبحانه وتعالى لتهدِّئ من روعهم وتثلج صدورهم، فتتنزَّل الآية الَّتي تطمئنهم بأن الله تعالى، خالقهم ومولاهم، ولا يريد بهم إلا خيرًا، ولن يكلِّفهم من الأمر ما لا يطيقون. فهو العليم بما يختلج في نفس العبد من الأفكار والميول، وما يكتنفه من خواطر وخصوصًا في لحظات الضعف، ولهذا فإنه لا يحاسبه إلا على ما تأصَّل في نفسه، وعقد العزم على الاستجابة له من النوايا والمشاعر، الَّتي كان لها دورٌ موجِّهٌ في أعماله، كمشاعر الحقد والحسد والعُجْب وغيرها، والله سبحانه يتجاوز له عن الخواطر والهواجس الَّتي تتوارد على قلبه بغير إرادته، ولا تترك أثرًا في نفسه ولا ينتج عنها فعل، أو قول يكرهه الله، أمَّا إذا استرسل فيها إلى أن قادته إلى دائرة الأذى وإلحاق الضرر