وقد كرَّر الله تعالى الأمر بالتَّقوى في أوَّل الآية وفي آخرها، ليشير إلى عظيم حقِّه على عباده، كما قرن تعالى بين التَّقوى وصلة الرحم ليدلَّ على أهمِّية هذه الرابطة الوثيقة؛ فعلى الإنسان أن يرعى رابطة الإيمان بالله، وروابط القرابة وصلة الرحم، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلَّقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (متفق عليه) . وصلة الرحم تنبثق من الأسرة الواحدة، وتمتدُّ لتشمل أفراد المجتمع بكامله، ولا تستقيم أمور الأسرة الَّتي هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، إلا إذا تراحم أفرادها، وتوثَّقت عرى المحبَّة فيما بينهم. ولن تستطيع الأسرة أن تحيا بمعزل عن الآخرين، لأن أعباء الحياة كثيرة، ولابدَّ من التعاون بين الأفراد، ومن باب أولى التعاون بين الأهل، إذ الأقارب للإنسان كالرِّداء الواقي الَّذي يحميه من حرِّ الصيف وقرِّ الشتاء، وهم كالمحارة الَّتي تنغلق على اللؤلؤة لتحميها من عوادي الزمن، فإذا ما تخلَّى الإنسان عن قرابته فكأنما انسلخ عن جلده، أو ترك أعضاءه هملًا مشاعًا تعبث بها الخطوب وصروف الأيام!.
ولا يمكن أن تقوم علاقة وطيدة بين الأفراد وذويهم، إلا على أسس المحبَّة والرحمة، والتسامح والإيثار وبذل الخير، ومدِّ يد المساعدة، ونفي التشاحن والبغضاء والأنانية الَّتي تعمل كالمعول في هدم الروابط الاجتماعية. وقد حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على الرحمة في قوله: «الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شحنة من الرحمن من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله تعالى» (أخرجه أبو داود والترمذي) .