الصفحة 619 من 1412

وتتَّسع دائرة الرحمة لتشمل الناس جميعًا، فالناس كما علمنا إخوة، وما أجدر الإخوة أن يتراحموا، فيعطي الغني الفقير، ويصفح المحسن عن المسيء، ويرحم الكبير الصغير، ويعين القوي الضعيف. بمثل هذه الأخلاق ساد المسلمون الأوائل، وأرسَوْا دعائم حضارة رائعة، أضاءت ظلمات الجهل الَّذي تَمَلَّكَ الإنسانَ ردحًا طويلًا من الزمن. والله تعالى حفيظ مطَّلع على جميع أحوالنا، فلا مفرَّ من الرقابة الإلهية الَّتي ترصد كلَّ حركة وكلَّ سكنة، وتعلم ما أسررنا وما أعلنَّا، فلا يغيب عن علم الله شيء في الأرض ولا في السماء، ولابدَّ أن يجازي من يفرِّط في تعاليم الله، جزاءً شديدًا عادلًا، ويكافئ الساجدين له المستسلمين لعظمته المحافظين على تطبيق شرعه.

فالعاقل هو من يقدِّر حساباته بدقَّة ويعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، وتكون دنياه مزرعة يحصد إنتاجها يوم الحساب، فقد روى أبو يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أَتْبَعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على الله» (رواه الترمذي) .

ولا تقف الرحمة الإلهية عند حدود الإنسان بل تتعدَّاه إلى الحيوان، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتدَّ عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثمَّ خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبُ من العطش مثلَ الَّذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفَّه ماءً ثمَّ أمسكه بفيه، حتى رَقِيَ فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: في كلِّ كبد رطبة أجر» (متفق عليه) .

الفصل الثاني:

بِرُّ الوالدين

سورة الإسراء (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت