الصفحة 40 من 1412

والله يهدي لنوره من يفتحون قلوبهم لتلقِّي هذا النور الفائض في السموات والأرض، والَّذي لا ينقطع ولا يحتبس ولا يخبو، فحيثما توجَّه إليه القلب رآه، وحيثما تطلَّع إليه الحائر هداه، وأنَّى اتَّصل به وجد ظلالًا من جلال الله تعالى وجماله. والمثل الَّذي ضربه الله لنوره ما هو إلا وسيلة لتقريبه إلى المدارك، فنور الله تعالى ينعكس ويتجلَّى في السموات والأرض والإنسان، وتظهر آثاره متميِّزة في الإنسان المؤمن أكثر ممَّا تظهر في السموات والأرض؛ وذلك لأن قلبه المنوَّر يصلُح لأن يكون موضع النظر الربَّاني، ويتشرَّف بأن يعمره ويسكنه الحبُّ الإلهي، وبهذه الميزة نال الكرامة عند الله دون سائر المخلوقات، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «لم يَسعْني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن اللّين الوادع» . (رواه الإمام أحمد في الزهد، عن وهب بن منبِّه) .

ـ الهادي:

قال تعالى: {..وكفى بربِّك هاديًا ونصيرًا} (25 الفرقان آية31) .

وقال أيضًا: {ويزيد الله الَّذين اهتَدَوْا هدى..} (19 مريم آية 76) .

الهادي: هو الَّذي أعطى كلَّ شيء خلْقه ثمَّ هدى، فمنح كلَّ شيء صورته وشكله الَّذي يليق به ويطابق المنفعة المنوطة به، فأعطى العين الهيئة الَّتي تطابق الإبصار، وأعطى الأذن الشكل الَّذي يوافق الاستماع، ثمَّ هدى المخلوقات إلى طرق الانتفاع بالأشياء الَّتي خلقها لهم؛ إمَّا اختيارًا كالإنسان، وإمَّا غريزة وطبعًا كالحيوان وغيره.

فالله هو الَّذي هدى النحلة إلى الزهور، وهدى الرياح إلى السحاب، وهدى الطير إلى الهواء، وهدى السمك إلى الماء، وهدى الأنعام إلى مراعيها... أمَّا الإنسان فقد هداه إلى نوعين من الهداية؛ لكونه مخلوقًا عاقلًا ومفكِّرًا، وخليفة لله في أرضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت