فالهداية الأولى: هداية مباشرة، وهي هداية الإنسان إلى طرق الانتفاع بما أودع في مخلوقاته، وبموجب هذه الهداية استطاع الإنسان ـ عن طريق العلم والعقل ـ أن يستخرج الأدوية والعقاقير النافعة من النبات، وتمكَّن من استخراج المعادن واستخدامها في شتَّى ميادين التصنيع. ولولا هذه الهداية الَّتي منحها الله للإنسان لما تمكَّن من الوصول إلى ما وصل إليه من التقدُّم والمدنية في خدمة مصالح البشرية.
أمَّا الهداية الثانية: فهي هداية غير مباشرة، يمنحها الله للناس ـ عن طريق رسله والكتب المنزلة عليهم ــ للوصول إلى الحقائق الَّتي لا تصل إليها مداركهم مهما أُوتُوا من علوم ومعارف وإمكانات، كالحقائق الَّتي تتعلَّق بالذَّات الإلهيَّة، وبالعالم الآخر أو ما وراء الطبيعة، ويُضاف إلى هذه الحقائق النظم والتشريعات السماوية الَّتي يأتي بها كلُّ نبيٍّ لتكون صالحة للزمان والمكان الَّذي يعيش فيه الإنسان، حيث أتت متمِّمة لبعضها بعضًا، وأخذت استمراريتها في إطار خاتم الرسالات؛ رسالة الإسلام.
فإرسال الرسل، وإنزال الكتب من وسائل الهداية، لئلاَّ يكون للناس حجَّة على الله بتركهم دون هادٍ ودليل. فمن اهتدى بهذه الهداية وسلك طريقها زاده الله توفيقًا وهُدىً للخير، لأن الخير يهدي إلى الخير، ومن نأى وابتعد عن طريق الهداية سيطر عليه الهوى، وتحكَّمت به قوى الشَّر والفساد من شياطين الإنس والجن لتلْقي به في ظلمة الجهل والضَّلال، وتتركه نهبًا للشَّقاء والعذاب في الدنيا قبل الآخرة.
ـ العليُّ، العظيم:
قال تعالى: {له ما في السَّمَوات وما في الأَرضِ وهوَ العليُّ العظيم} (42 الشورى آية 4) .
أمَّا العليُّ: فهو البالغ في عُلُوِّ الرُّتبة والمكانة، والعليُّ فوق خلقه وإلى ما لا نهاية.