الصفحة 39 من 1412

إلا أن الكيان البشري ـ بطبيعة تركيبه ـ لا يقوى طويلًا على تلقِّي ذلك الفيض الغامر من النور، ولا يستشرف ذلك الأفق البعيد دون أن يَكِلَّ نظره ويرتدَّ طَرْفه حسيرًا، لذلك نرى الآية القرآنية قد أوضحت هذا الأفق المترامي، ثمَّ عادت تقاربُ بين أبعاده، وتقرِّبه إلى الإدراك البشري المحدود في مَثَلٍ قريب محسوس؛ فتنتقل من آفاق السموات والأرض إلى المشكاة، وهي كوَّة صغيرة في الجدار غير نافذة من الخلف، يوضع فيها المصباح، فتحصر نوره وتجمعه وتوجِّهه باتِّجاه واحد، فيبدو قويًا باهرًا. وهذا المصباح في زجاجة وهَّاجة تقيه العوامل الخارجية، وتصفِّي نوره، فيزداد تألُّقًا، وهي في ذاتها شفَّافة، رائعة، سنيَّة، منيرة. ثمَّ تربط الآية بين المثَل والحقيقة، بين النموذج والأصل، فترتقي من الزُّجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير، كي لا ينحصر التأمُّل في النموذج الصغير، الَّذي ذُكر لتقريب صورة الأصل الكبير فحسب، ومن المصباح إلى زيته الَّذي منه يقتات؛ إنه زيت الزيتون الَّذي أثمرته الشجرة المباركة المعمِّرة النافعة، وهو أصفى الزيوت، ونوره أبهى الأنوار، لأنه يتمتع بشفافية ذاتيَّة وإشراق ذاتي، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق. وتلك الشجرة المباركة تنتصب في مكانٍ، لا شرقيٍ ولا غربيٍ، فالشمس ترسل إليها النور، والحرارة تأتيها من كلِّ اتجاه، ولا تنحجب عنها طوال ساعات النهار.

وبذلك يتجلَّى لنا ذلك النور العميق الطليق؛ إنه نور مترادف متضاعف، اجتمعت على إطلاقه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبقَ شيء ممَّا يُقَوِّي النور ويزيده إشراقًا ويمدُّه إضاءة إلا وقد أسهم في إذكائه وتأجُّجه.. وكذلك هي براهين الله واضحة، مترابطة، يؤيِّد بعضها بعضًا؛ كالدلائل المعجزة وتتابع الرسل وإنزال الكتب، حتى لا يبقى في القلب مكان للشَّك أو الريبة في حقيقتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت