الصفحة 32 من 1412

إن القلب المنوَّر يكاد يبصر قدرة الله تُحرِّك الأفلاك، وتُسيِّر الكرة المعتمة حول الكرة المضيئة، وتَقْلِبُ مواضع الظلمة ضياءً شيئًا فشيئًا، حتى يتحوَّل ظلام الليل إلى وضاءة النهار، ويتنفَّس الصبح متحرِّرًا من السكون والخمود. إنها حركة لا يمكن لإنسان عاقل أن يدَّعي أنها تمضي مصادفة من غير أن تضبطها قدرة مهيمنة لامتناهية.

وإنَّ من خصائص الألوهيَّة المتَّصفة بهذه القدرة إيجاد الحياة من العدم؛ فالزرع يخرج من الحَبِّ، والحَبُّ يكمن في لبِّ الزرع، والطائر ينقف البيضة متلمِّسًا الطريق يرى نور الحياة، والبيضة تنحدر من الطائر لتعيد دورة الحياة! وكذلك الموت والحياة؛ فعلى الرُّغم من أنهما قطبان متنافران فإن أحدهما يكمن في طيَّات الآخر، ففي كلِّ لحظة تمرُّ على الكائن الحي، يقترب منه الموت بمقدارٍ مساوٍ لتلك اللحظة الَّتي يعيشها، فالموت يأكل من عمره، والحياة ترسي في نسيجه خلايا جديدة، وهكذا.. خلايا تموت، وخلايا تتوالد في كيان كلِّ الأحياء، إلى أن يموت الكائن الحي، وتتحول خلاياه إلى ذرات ذوات تركيب آخر، فدورة الحياة والموت مستمرة بقدرة معجزة في كلِّ لحظة من لحظات الليل والنهار.

ولقد تضمَّنت الآيات الأخيرة عنصرًا هامًا من عناصر العقيدة؛ هو الإيمان بقدرة الله تعالى وحده على الإحياء والإماتة، وإعادة خلق الناس للحساب والجزاء. فهو وحده المحيي والمميت؛ يُخرج الإنسان من بطن أمه عُريانًا، لا حول له ولا قوَّة، ثمَّ يزوِّده بأسباب الحياة، ثمَّ يميته، ثمَّ يبعثه يوم القيامة حيًّا، وليس لأحد غيره عزَّ وجل سلطة أو قدرة على الإحياء والإماتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت