ـ الله تعالى منزِّل القرآن هو خالق السموات والأرض والأكوان كلِّها وما حَوَت.
في رحاب الآيات:
تبدأ الآية الكريمة بهذين الحرفين (ط ـ هـ) وهي حروف نورانيَّة، وفيها تنبيه لإعجاز القرآن الكريم، ذلك أنه على الرغم من أنه منسوج من الأحرف العربية الثمانية والعشرين، فقد تحدَّى الله به فصحاء العرب، وجهابذة الكلام على أن يأتوا بآية من مثل آياته، أو سورة من مثل سوره. وربَّما كان القصد من ابتداء السور بمثل هذه الأحرف، هو تنبيه المخاطب إلى أهمية ما يُلقى إليه بعدها، والله أعلم بمراده منها. أخرج ابن أبي حاتم عن الضحَّاك قال: (لما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، قام به وأصحابُهُ، فقال له كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمَّد إلا ليشقى به، فأنزل الله: {طه * ما أنزلنا عليك القرآنَ لتشقى} . فلا والله ما جعله الله شقيًا، بل رحمة ونورًا ودليلًا إلى الجنَّة) . وقيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى بالليل حتَّى تورَّمت قدماه فقال له جبريل: (أَبْقِ على نفسك فإن لها عليك حقًا) .
فكيف لنبيٍّ عشق ربَّه أن يرهق جسده بقرآن فيه شفاء ورحمة؛ إلا إذا كانت معانيه قد استقرَّت في سويداء قلبه، ووعى كلماته حرفًا حرفًا، فتفجَّرت ينابيع الخوف والخشية من حضرة الله في أعماقه، فواصل ليله بنهاره تعبُّدًا وتذلُّلًا، وخشوعًا وانكسارًا، وحبًا وإنابة للواحد القهار. فهل هذا شقاء؟ إنه عين النعيم، نعيم القرب، وعين اللذَّة الروحية، حين يتَّصل تيار الروح بالمولِّد الأصلي، ويحدث التَّماسُّ وتومض شعلة النور في ظلمات النفس المدلهمَّة فتزيل غشاوة البُعد عنها.