الصفحة 307 من 1412

يُجْمِلُ الله تعالى في هذه الآيات صورة الصراع التاريخي بين أتباع العقائد، حيث أرسل سبحانه عبر العصور المتعاقبة، رسلًا وأنبياء يجدِّدون للناس أمور دينهم، بما يتناسب مع متطلبات زمانهم. وكانت فئة من المتعصِّبين تبرز دائمًا في مواجهة النبي الجديد أو الرسول، لترفض مبدأ التجديد، وتصرَّ على التحجُّر والتمسُّك بمعتقداتها، ناسبة الخير لأفكارها، ومُدَّعية انغلاق باب العطاء الإلهي في وجه من سواها.

وقد كان تقرير المفاضلة بين الرسالات السماوية من قبل المتدينين أنفسهم، والاعتراف ببعضها وإنكار بعضها الآخر، يخلق صراعًا مريرًا بين طوائفهم، وينسف جسور الاتصال بين أتباع الشرائع السماوية، ويغلق باب الحوار فيما بينهم، ويزرع العداوة والبغضاء، وهذا ما شهدناه حقًّا على مدار التاريخ، حيث ذهب كثير من الضحايا، وسفكت دماء بريئة باسم الدِّين. وقد كان يتوجَّب على أولئك المتدينين، أن يبذلوا قصارى جهدهم في تمثيل دينهم ومعتقدهم أحسن تمثيل، وأن يعرضوه بشكل يرضي العقل والمنطق بعيدًا عن التعصُّب والانفعال، ليوحِّد الناس ويجمعهم بدلًا من أن يتولَّد النزاع والتناحر بينهم.

ويريد الله تعالى من خلال هذه الآيات الكريمة، تهدئة مشاعر العصبيَّة بين المتدينين، الناشئة عن تطرُّف بعضهم في التعصُّب لآرائهم ومعتقداتهم، ليلتفت الجميع إلى إشادة البناء السليم؛ الَّذي يمكن أن يسع أتباع الشرائع السماوية كلِّها، والَّذي يرتكز على الأركان الأساسية الَّتي تقوم عليها هذه الشرائع. وأوَّل هذه الأركان هو الإيمان بالله الواحد، إيمانًا حقيقيًّا، تستسلم له ذرَّات وجودنا وخلايا تفكيرنا، فهو تعالى مقصودنا ورضاه مطلوبنا؛ فما من شيء يوحِّد بين قلوب الخلائق كالإيمان الربَّاني، الَّذي يسمو بها فوق الأهواء والتناحر والبغضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت