فالله جلَّ وعلا واحد لا شريك له، حيٌّ خالد، أزليٌّ قديم، ليس له بداية وليس له نهاية، وجوده مطلق لا يحدُّه زمان ولا مكان، منزَّهٌ عن كلِّ ما لا يليق به، وليس كمثله شيء. وهو القيُّوم المهيمن على ما خلق في الوجود من عوالم وخلائق وموجودات، قائم بتدبير أمورها، وتصريف شؤونها على الوجه الَّذي ارتضاه لها. وهذه الحقيقة الناصعة الواضحة الَّتي أعلنها الإسلام؛ ومن قبله الشرائع السماوية كافَّة؛ كانت القول الفصل في مسألة صحَّة وحتميَّة الاعتقاد بتفرُّد الله سبحانه بالألوهيَّة، ونبذ ذلك الركام من التصوُّرات الجاهلية عن تعدُّد الآلهة أو تمثيلها بالأصنام.
ثم تشير الآيات إلى أنه تعالى هو الَّذي نزَّل الكتاب على محمَّد صلى الله عليه وسلم ، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، عليهما السَّلام. فالجهة الَّتي تتنزَّل منها الكتب على الرسل واحدة، وقد جاء القرآن الكريم مصدِّقًا لما سبقه من الكتب المنزَّلة على الأنبياء، تلك الكتب الَّتي تستهدف غاية واحدة هي هداية الناس إلى الحقِّ والخير. وقد سارت رسالة الإسلام على نمط الرسالات السابقة من الهداية والإرشاد، وبما أن القرآن قد نزل بالحقِّ على رسول من البشر، فلا مبرِّر لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة، وهي من جنس الرسالات السماوية الَّتي نزلت على رسل من البشر أيضًا، واشتركت جميعها بالتبشير بمحمَّد صلى الله عليه وسلم ، وبيَّنت ضرورة تصديقه والإيمان برسالته.
ولم تقتصر مهمة القرآن على الهداية فحسب، بل فرَّق بين الهدى والضلال أيضًا، وبيَّن الروح الحقَّة الَّتي كانت تهيمن على ما سبقه من الكتب والَّتي تتَّفق وتنسجم مع آياته، وتوعَّد بالعذاب الشديد أولئك الَّذين وقعوا تحت تأثير الأهواء والتيارات الفكرية المشوَّهة، فراحوا يفسِّرون الكتب السماوية، ويعلِّمونها للناس وفقًا لمصالحهم ورغباتهم، ولذلك سُمِّي بالفرقان.