وتقرِّر الأحكام الإلهية مبدأً إنسانيًا عظيمًا، يُعَدُّ الميثاق الحقيقي لإعلان حقوق الإنسان، والحفاظ على حياته وسلامته من أي عدوان؛ وهو أنه لا يحقُّ لإنسان أن يقتل إنسانًا أو أن يؤذيه أو يمسَّه بأدنى سوء. وقد رتَّب الله تعالى عقوبات صارمة لحماية النفس الإنسانية، فالقاتل يُقتل، والاعتداء يُرَدُّ بمثله، والقصاص هو العقاب الرادع الَّذي يحمل كلَّ من ينوي قتل غيره، على أن يراجع نفسه مرَّات ومرَّات قبل أن يُقدم على ما عزم عليه، لأن العقاب له بالمرصاد، فالقصاص هو الحُكم الَّذي تقضي به الفطرة السليمة، وتستريح إليه النفوس الكريمة، والَّذي يذهب بحزازات النفوس وغيظها، وجراحات القلوب وآلامها، ويسكِّن فورات الثأر الجامحة. فقد جاء في التوراة، الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج (الفقرة 24ـ26) : (وإن حصلت أذيَّة تعطى نفسًا بنفس وعينًا بعين وسنًَّا بسن ويدًا بيد ورجلًا برجل وكيًَّا بكي وجرحًا بجرح ورضًَّا برضّ) . وجاء في الفصل الرابع والعشرين من سفر اللاويين (الفقرة18ـ20) : (وإذا أمات أحد إنسانًا فإنه يقتل، ومن أمات بهيمة يعوِّض عنها نفسًا بنفس، وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبًا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر وعين بعين وسنٌّ بسن كما أحدث عيبًا في الإنسان كذلك يحدث فيه) . هذه الأحكام الَّتي نزلت في التوراة، بقيت كما هي في شريعة الإسلام، وأضيف إليها حكمٌ آخر هو قوله تعالى: {فمن تَصدَّق به فهو كفَّارةٌ له} . فبعد أن شرع الله تعالى القصاص دفعًا للأذى وإشباعًا لدوافع الفطرة، وضمانةً لما يريحها، راح يستثير في النفوس السماحة، والعفو والوجدان، علَّه يحرِّك تلك الَّتي لا يغنيها التعويض المالي، ولا يسلِّيها القصاص عمَّا فقدت، فتبقى فيها حرقة ولوعة، لا تطفئها ولا تهدِّئها إلا رحمة الله، الَّذي وعدها بالتعويض من قِبَلِه، وهو تعويض لا يُستهان به عند ذوي النفوس المطهَّرة والقلوب المنقَّاة. فالعفو عن الجاني