الصفحة 295 من 1412

وقد بيَّنت الآيات الكريمة في النص القرآني السابق وحدة مصدر الشرائع السماوية، وأبرزت الصلة الوطيدة بينها، وأكَّدت على وشائج القربى الَّتي ربطت بين شرائعها جميعًا، ففي التوراة الَّتي أنزلت على موسى عليه السَّلام هدىً للقلوب، ونور للبصائر، التزم بها من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل، لأنهم أسلموا أنفسهم بكليَّتهم إلى الله عزَّ وجل، وكذلك كُلِّف علماء بني إسرائيل وعُبَّادُهم بتطبيقها، بصفتهم الأمناء على كتاب الله، الَّذين يشكِّلون الرقابة اليقظة، الَّتي لا تسمح لأيِّ يد أن تمتدَّ إليه، بالتحريف أو التبديل، أو الحذف أو الإضافة.

وبما أن تطبيق تعاليم الشريعة الإلهية لن يكون على درجة واحدة، لأن النفوس تتفاوت في درجة سموِّها وتقبُّلها لأحكامها، خاصَّة إذا تعارضت مع ميولها ونزعاتها، فتراها تعارض كلام الله أو تُؤوِّله أو تحرِّفه ليتماشى مع رغباتها، لذا يُحذِّر الله جميع الأنبياء والأوصياء على رسالاته من التهاون في مثل هذه المواقف، أو الميل مع أهل الهوى، فالحقُّ أولى أن يُتَّبع، وما كان الله ليشرع شريعة تتعارض مع سعادة الناس أو تضرُّ بمصالحهم، بل لتحيي قلوبهم وتوفِّر لهم الأمن والاطمئنان، والسعادة والسَّلام، ولكنَّ المعاندين تعمى أبصارهم عن نور الله، ويُغَلِّبون مصالحهم على مصالح غيرهم من الخلائق؛ أنانية وتسلُّطًا وجشعًا.

فالمجاهدة مستمرَّة على مرِّ الزمان، ولابدَّ للدعاة إلى الله من أن يصمدوا في وجه الأدعياء، ومن يضعف منهم أمام بعض الإغراءات (كالجاه، أو الرِّياسة، أو أي مطمع) ، فلا مكان له ضمن دائرة رحمة الله، بل هو مطرود منبوذ منها، لأنه اشترى بآيات الله، ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا الزائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت