لقد تتابعت رسل الله إلى البشرية تترى، وأُنزلت عليهم الرسالات السماوية واحدة تلو الأخرى لإقرار الشرائع الإلهية في الأرض، والَّتي من شأنها أن تربط قلوب الخلق بالخالق، وتنشر بينهم العدل والإخاء والسَّلام، وبذلك تستقيم لهم الحياة لأنهم تلقوا عقيدتهم وشريعتهم من إله واحد، عليم بخصائص النفس البشرية وميولها ونزعاتها، قاصد إسعاد هذا المخلوق في ظلال عبادته وطاعته، وله سبحانه، الرقابة على السرائر والضمائر كما له السلطان على الحركة والسلوك، فيجزي الناس وفق شريعته في الدنيا، ويجازيهم من منطلق عدله وفضله في الدار الآخرة.
وإن الدِّين الَّذي جاء به رسل الله، لا ينحصر في دائرة فهم العامَّة من الناس، الَّذين يقصرونه على الشعائر والعبادات والتجلِّيات؛ بل إنه يتجاوزها ويتعدَّاها، لأنه منهج كامل للحياة، يتسع ليشمل علاقة الفرد بخالقه، وعلاقته بالناس وبالكون من حوله. فالإنسان جزء من هذا الكون، وهو أبدًا في حال تأثُّر به وتفاعل معه، وقد جاء الدِّين ليحفز كوامن القدرة والإبداع فيه، ليصبح قادرًا على استنباط قوانين الكون ونواميسه، ثمَّ يسخِّرها لمنفعته.
والإنسان الفرد جزء من المجتمع، والناس بمجموعهم يسهمون في بنائه وتطويره، ودور الدِّين تجاههم تحديد الواجبات والحقوق المتبادلة فيما بينهم، وتنظيم علاقاتهم والمحافظة على روابطهم الاجتماعية والرُّقي بها، لئلا تنحدر إلى المستوى البهيمي فتعتريها الفوضى والتفسُّخ. وهكذا نجد أن الدِّين منظِّم للحياة البشرية بشقَّيها، قلبًا وقالبًا، ظاهرًا وباطنًا، اعتقادًا ومنهجًا وسلوكًا.