وأوَّل سنَّة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تبليغ الدعوة بدءا من زوجته وتثنية بابن عمه، ثمَّ خادمه، دعوة مباشرة لعبادة الله، الواحد الأحد، هكذا دون شكليَّات ولا مراسم.. وهذا ما غفل عنه الكثير، ممن اهتموا بالشكل دون المضمون، فكان همُّهم طول اللحية، وطول الثوب الَّذي نرتديه، وإلى غير ذلك من السنن السهلة.. ناسين أن الإسلام قام بالجهد والتعب والتضحية، وبالصبر والمصابرة على أذى الناس وتعنُّتهم، وبالحكمة واللين والموعظة الحسنة، بدءًا من تزكية القلوب، وإدخالها غارَ البعد عن الفواحش والمعاصي، ومن ثمَّ التعلُّم والتعليم، والدعوة والإرشاد...
والرسول مكلَّف بتأدية الرسالة، وليس مكلَّفًا بتثبيت الإيمان في قلوب المعرضين المتولِّين، ولا أن يحفظهم من الإعراض بعد البلاغ والبيان، ولكنه ـ على الرغم من ذلك ــ لا يتخلَّى عنهم في اللحظات الحرجة، فهو ينصح المخطئ ويرشده إلى طريق الصواب، ويستغفر الله له، وهنا يقترن استغفار الرسول المشحون بالقوَّة والنورانية، مع استغفار العبد التائب، المقرون بالتوبة والندم، ليعلو النداءان في جنبات السماء، فيجدا أبواب القبول الإلهي مفتَّحة بإذن الله. فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يملك الشفاعة لا المغفرة، لنفسه أو لأتباعه، والغفَّار هو ربُّ العالمين، ولا يستطيع أحد أن ينتحل هذه الصفة فهي من خصائص الرحمن وحده.