وبهذا يمكن فهم مقام السنَّة بالنسبة للكتاب، فالتشريع الدِّيني المحض ـ كأحكام العبادات ــ لم يكن يصدر إلا عن وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من كتاب أو سنَّة، أو بما يُقِرُّه عليه من اجتهاد. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك معصومًا، لأنه لو أخطأ لما أمر تعالى بطاعته في قوله: {من يُطعِ الرَّسول فقد أطاع الله ومن تولَّى فما أرسلناك عليهم حفيظًا} (4 النساء آية 80) ، ومادامت المسائل الدِّينية قد بُنيت على هذا النحو، ومادام الأصل الَّذي يُرجَعُ إليه عند التحاكم معلومًا، فلا معنى للاختلاف حول منزلة النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة الإسلامية، فلا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو قائد مسيرة الإيمان، والدليل الروحي والمرشد الحكيم، وهو الَّذي يتكلَّم بوحي الله: {وما يَنْطقُ عن الهوى * إن هوَ إلاَّ وحيٌ يُوحى * علَّمهُ شديدُ القُوى} (53 النجم آية 3ـ5) وعلى هذا فإن أقواله وأعماله هي من وحي الله عزَّ وجل، فصَحَّ بذلك أن تكون مصدرًا ثانيًا للتشريع بعد القرآن الكريم، وإن ترك هذا المصدر هَدْمٌ لركن من أركان التشريع، فمن أعرض عن السنَّة فقد حرم نفسه من ثمرات التطبيق النبوي، فَتاهَ وضلَّ عن سواء السبيل.
وسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الَّتي علينا الاقتداء بها، تبدأ منذ بدء تكليفه بالرسالة، بل إن بعضهم قال هي منذ اعتكافه صلى الله عليه وسلم في غار حراء، حيث أمضى الأيام الطويلة متعبدا، متحنِّفا، متأملا في ملكوت السموات والأرض، حتَّى صفت نفسه ورقَّت مشاعره، ممَّا أهَّله لتلقِّي الفيوضات الإلهية، وفتح مغاليق قلبه ليكون مستودعا للأنوار الربَّانية..