فهرس الكتاب

الصفحة 9756 من 11127

6558 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسي الحافظُ، عارمٌ، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بن درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزدي (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابنُ دينار (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ) كذا في رواية الأكثر من رواة البخاري بحذف الفاعل، وثبت في رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسي عن الفَرَبْري وكذا في رواية البيهقي في «البعث» من طريق يعقوب بن سفيان عن أبي النَّعمان شيخ البخاري فيه.

ولفظ مسلمٍ عن أبي الرَّبيع الزَّهراني عن حمَّاد بن زيدٍ (( إنَّ الله يُخرج قومًا من النَّار بالشَّفاعة ) )، وله من رواية سفيان بن عُيينة عن عَمرو سمع جابرًا مثله لكن قال (( ناسًا من النَّار فيدخلهم الجنَّة ) ). وفي رواية عمرو عن عُبيد بن عمير مرسلًا أنَّه قال له رجل _ يعني لعبيد بن عُمير _ وكان الرَّجل يُتَّهم برأي الخوارج، ويقال له هارون أبو موسى يا أبا عاصمٍ ما هذا الَّذي تحدَّث به؟ فقال إليك عنِّي لو لم أسمعه من تلقين أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم لم أحدِّث به. وقد أطال الحافظُ العَسقلاني في هذا المقام.

(كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ) بمثلثة مفتوحة ثمَّ مهملة وبعد الألف راءان بينهما تحتية ساكنة، جمع ثُعرور _ بضم أوله _ كعُصفور، صغار القثَّاء، شُبِّهوا به؛ لأنَّ القثاء تَنْمَى سريعًا، وقيل هو رؤوس الطَّراثيث تكون بيضاء، شُبهوا ببياضها، واحدها طُرثوث، وهو نبتٌ يُؤكل.

(قُلْتُ) أي قال حمَّاد قلت لعَمرو (مَا الثَّعَارِيرُ؟) وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ) عَمرو (الضَّغَابِيسُ) بالضاد والغين المعجمتين وبعد الألف موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة، وهي صغار القثَّاء، واحدها ضغبوس، كذا قال ابنُ الأعرابي، وقال أبو عبيدة مثله وزاد ويقال بالشين المعجمة بدل المثلثة، وكان هذا هو السَّبب في قول الرَّاوي.

(وَكَانَ) أي عَمرو

ج 27 ص 434

(قَدْ سَقَطَ فَمُهُ) أي سقطت أسنانه، فنطقَ بها ثاء مثلثة وهو شين معجمة، وقيل هو نبتٌ في أصول الثُّمام كالقطنِ ينبت في الرَّمل وينبسطُ عليه ولا يطول. ووقع تشبيههم بالطَّراثيث في حديث حذيفة رضي الله عنه، وهي بالمهملة ثمَّ المثلثة، هي الثُّمَام _ بضم المثلثة وتخفيف الميم _، وقيل الثَّعرور الأَقِطُ الرَّطب.

وأغرب القابسيُّ فقال هو الصَّدف الَّذي يخرج من البحر فيها الجواهر، وكأنَّه أخذه من قوله في الرِّواية الأخرى (( كأنَّهم اللؤلؤ ) )ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ ألفاظ التَّشبيه تختلفُ، والمقصود الوصف بالبياض والدِّقَّة. وأمَّا الضَّغابيس فقال الأصمعي هو نبتٌ ينبتُ في أصول الثُّمام يشبه الهليون يُسلق ثمَّ يُؤكل بالزَّيت والخل، وقيل ينبت في أصول الشَّجر، وفي الإذخر، يخرجُ قدر شبرٍ في رقَّة الأصابع لا ورق له وفيه حموضةٌ.

وفي «غريب الحديث» للحربيِّ الضُّغبوس شجرةٌ على طول الإصبع، ويشبَّه بها الرَّجل الضَّعيف، وأغرب الدَّاودي فقال هي طيورٌ صغارٌ فوق الذُّباب ولا مستند له.

قال الحافظ العَسقلاني هذا التَّشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا، وأمَّا في أوَّل خروجهم من النَّار فإنَّهم يكونون كالفحم، كما يأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الَّذي بعد [خ¦6559] .

ووقع في حديث يزيد الفقير عن جابر رضي الله عنه عند مسلمٍ (( يخرجون كأنَّهم عيدان السَّماسم، فيدخلون شهرًا فيغتسلون فيخرجون كالقراطيس البيض ) )والمراد بعيدان السَّماسم ما ينبت فيه السُّمسم فإذا جُمِع ورُميت العيدان تصير سُودًا رِقاقًا. وزعم بعضُهم أنَّ اللفظة محرَّفة وأنَّ الصَّواب الساسم بميم واحدةٍ، وهو خشبٌ أسود، والثَّابت في جميع طرق الحديث بإثبات الميمين وتوجيهه واضحٌ.

(فَقُلْتُ) أي قال حمَّاد فقلت (لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَبَا مُحَمَّدٍ) بحذف أداة النِّداء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، وفي رواية سقط «ابن دينار» (سَمِعْتَ) بهمزة الاستفهام المقدرة؛ أي أسمعت

ج 27 ص 435

(جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما (يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ؟) أي قومٌ (قالَ نَعَمْ) أراد الاستثبات له في سماعه من جابرٍ وسماع جابرٍ له، ولعلَّ سبب ذلك روايةُ عَمروٍ له عن عبيد بن عُمير مرسلًا، وقد حدث سفيان بن عُيينة بالطَّريقين.

وفي الحديث إبطال مذهب المعتزلة والخوارج في نفي الشَّفاعة للعصاة متمسِّكين بقوله تعالى {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين} [المدثر 48] . وأُجيب بأنَّها في الكفَّار، وقد تواترتِ الأحاديث في إثباتها، ودلَّ عليها قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] والجمهور على أنَّ المراد به الشَّفاعة، وبالغ الواحديُّ فنقل فيه الإجماع.

وقال الطَّبري أكثر أهل التَّأويل على أنَّ المقامَ المحمود هو الَّذي يقومه النَّبي صلى الله عليه وسلم ليُريحهم من كربِ الموقف، ثمَّ أخرج عدَّة أحاديث في بعضها التَّصريح بذلك، وفي بعضها مُطلق الشَّفاعة، فيها من حديث سلمان رضي الله عنه قال يشفِّعه الله في أمَّته، فهو المقامُ المحمود. ومن طريق رِشْدين بن كُريب عن أبيه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما المقام المحمود الشَّفاعة. ومن طريق داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] ، قال سُئل عنها النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال «هي الشَّفاعة» . ومن حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه رفعه (( أكون أنا وأمَّتي على تلٍّ، فيَكسُوني ربِّي حلَّةً خضراء، ثمَّ يُؤذَنُ لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ) ). ومن طريق يزيد بن زُرَيع عن قتادة وذكر لنا أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أوَّل شافعٍ، وكان أهلُ العلم يقولون إنَّه المقام المحمود.

وعن أبي مسعودٍ رضي الله عنه رفعه (( إنِّي لأقوم يوم القيامة المقام المحمود إذا جيء بكم حفاةً عراةً ) )وفيه (( ثمَّ يَكسُوني ربِّي حلَّةً فألبسها فأقومُ عن يمين العرش مقامًا لا يقومه أحدٌ، يغبطني فيه الأوَّلون والآخرون ) ). ومن طريق

ج 27 ص 436

ابن أبي نَجيح عن مجاهد المقام المحمود الشَّفاعة، ومن طريق الحسن البصري، مثله.

قال الطَّبري وقال ليثٌ عن مجاهد في قوله تعالى {مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] يجلسه معه على عرشه، ثمَّ أسنده وقال الأوَّل أولى، على أنَّ الثَّاني ليس بمدفوعٍ لا من جهة النَّقل ولا من جهة النَّظر. وقال ابن عطيَّة هو كذلك إذا حُمل على ما يليقُ به، وبالغ الواحديُّ في ردِّ هذا القول، وأمَّا النَّقَّاش فنَقل عن أبي داود صاحب «السُّنن» أنَّه قال من أنكر هذا فهو متَّهم.

وقد جاء عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند الثَّعلبي، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أبي الشَّيخ، وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال إنَّ محمدًا يوم القيامة على كرسي الرَّب بين يدي الرَّب. أخرجه الطَّبري.

قال الحافظ العَسقلاني فيحتمل أن يكون الإضافة إضافة تشريفٍ، وعلى ذلك يُحملُ ما جاء عن مجاهدٍ وغيره، والرَّاجح أنَّ المرادَ بالمقام المحمود الشَّفاعة، لكن الشَّفاعة الَّتي وردت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان الأوَّل العامَّة في فصل القضاء، والثَّاني الشَّفاعة في إخراج المذنبين من النَّار وهو الَّذي في حديث سلمان وغيره كما مرَّ.

وقد أخرج سعيد بن منصور بسندٍ صحيحٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال (( من كذَّبَ بالشَّفاعة فلا نصيبَ له فيها ) )، وأخرج البيهقيُّ في «البعث» من طريق يوسف بن مهران عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما خطب، فقال إنَّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يكذِّبون بالرَّجم، ويكذِّبون بالدَّجَّال، ويكذِّبون بعذابِ القبر، ويكذِّبون بالشَّفاعة، ويكذبون بقومٍ يخرجون من النَّار. ومن طريق أبي هلالٍ عن قتادة قال قال أنسٌ رضي الله عنه يخرج قومٌ من النَّار ولا نكذِّب بها كما يكذِّب بها أهل حروراء؛ يعني الخوارج.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه، وقد أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت