15 - (باب قَوْلِهِ) تعالى ثبت ذلك في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره ( {وَآخَرُونَ} ) عطف على قوله منافقون؛ أي وممَّن حولكم قوم آخرون غير المذكورين ( {اعْتَرَفُوا} ) لمَّا أخبر الله عزَّ وجلَّ عن حال المنافقين المتخلِّفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبًا، شرعَ في حال الذين تأخَّروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الرَّاحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} أي أقروا بها، واعترفوا فيما بينهم وبين ربِّهم، ولم يعتذروا بالمعاذيرِ الكاذبة ( {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} ) أي ولهم أعمال صالحة خلطوا هذه بتلك كالجهاد والتخلُّف عنه، أو إظهار النَّدم والاعتراف، والتخلُّف وموافقة أهل النِّفاق، ومجرَّد الاعتراف ليس بتوبةِ، لكن روي أنَّهم تابوا، وكان الاعتراف مقدمة التَّوبة، وكلٌّ منهما مخلوطٌ بالآخر كقولك خلطت الماء واللَّبن، فكلٌّ مخلوط ومخلوط به الآخر، ولو قلت خلطت الماء باللَّبن كان الماء مخلوطًا واللَّبن مخلوطًا به، فإذا قلت بالواو جعلت الماء واللَّبن مخلوطين ومخلوطًا بهما كأنَّك قلت خلطتُ الماء باللبن، واللَّبن بالماء، وهو استعارةٌ عن الجمع بينهما.
( {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ) جملة مستأنفةٌ، وعسى من الله واجب؛ أي فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، وإنَّما عبَّر بذلك للإشعار بأنَّ ما يفعله الله تعالى ليس إلا على سبيل التفضُّل منه سبحانه حتَّى لا يتَّكل المرء، بل يكون على خوف وحذرٍ. فإن قلت كيف قال {أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ولم يسبق للتَّوبة ذكر؟.
أُجيب بأنَّه مدلول عليها بقوله (( اعترفوا بذنوبهم ) )، كما في «الكشاف» و «أنوار التنزيل» ( {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ) وسقط قوله < {خَلَطُوا} . .. إلى آخره>
ج 19 ص 559
في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد قوله {بذنوبهم} .
قال ابنُ كثير وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنَّها عامة في كلِّ المذنبين الخاطئين المخلطين المتلوِّثين، وقد قال مجاهد نزلت في أبي لبابة لمَّا قال لبني قريظة إنَّه الذَّبح، وأشار بيدهِ إلى حلقه. وعن ابن عبَّاس نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلَّفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضُهم أبو لبابة وخمسة معه، وقيل وسبعة معه، وقيل وتسعة معه، فلمَّا رجع النَّبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجدِ، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أنزلَ الله الآية أطلقهم صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم.