فهرس الكتاب

الصفحة 5538 من 11127

3683 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قال (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (حَدَّثَنِي أَبِي) هو إبراهيمُ بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، قال (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ ح) تحويل من سند إلى آخر (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قال (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) أي ابن الخطاب كان واليًا لعمر بن عبد العزيز على الكوفة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) وفي الإسناد أربعة من التَّابعين على نسقٍ قرينان، وهما صالح بن كَيسان، وابن شهاب، وقرينان وهما عبد الحميد، ومحمدُ بن سعد، وكلُّهم مدنيون.

(عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّه (قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هنَّ أزواجه، ويحتمل أن يكون معهنَّ من غيرهنَّ، لكن قرينة كونهنَّ يستكثرنَه يؤيِّد الأول (يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ) أي يطلبنَ منه أكثر ممَّا يعطيهنَّ، وقال النَّووي أي يطلبنَ كثيرًا من كلامه، وجوابه لحوائجهنَّ، وفي «التوضيح» يستكثرنه يريد العطاء، وقد أبانَ في موضع آخر أنهنَّ يردن النَّفقة، وقال الدَّاودي المراد أنهنَّ يكثرنَ الكلام عنده.

وردَّه الحافظُ العسقلاني بما وقع التَّصريح به في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم أنهنَّ يطلبنَ النَّفقة.

ج 16 ص 278

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الذي قاله النَّووي أظهر لأنَّ الضَّمير المنصوب في (( ويستكثرنَه ) )يرجعُ إلى الكلام الذي يدلُّ عليه (( يكلمنه ) ).

وثمَّة قرينة تؤيِّد هذا، وهي أنَّ عمر رضي الله عنه لم يكن يرى الخطاب لأزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله (( أي عدوَّات أنفسهنَّ ) )في حضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم، بل الظَّاهر أنهنَّ غير أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم جئنَ لأجلِ حوائجهنَّ، كما قاله النَّووي وأكثرنَ الكلام، كما قاله الدَّاودي.

وردُّ كلامهِ ليس له وجهٌ، ولا يصلح أن يكون حديث جابر مؤيدًا لما ذهب إليه، لأنَّ حديث سعد غير حديث جابر، ولئن سلَّمنا أن يكون معناهما واحدًا، فلا يلزم من قوله (( يطلبنَ النفقة ) )أن تكون تلك النِّسوة أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يكون أزواج تلك النِّسوة غائبين، ولم يكن عندهنَّ شيءٌ فجئنَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وطلبنَ منه النَّفقة، وأيضًا لفظ (( النفقة ) )غير مخصوصٌ بنفقة الزَّوجات على ما لا يخفى.

(عَالِيَةً) بالنصب على الحال، ويجوزُ الرفع على أن يكون صفة لنسوة (أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ) قال ابن المُنيِّر يحتمل أن يكون ذلك قبل نزولِ قوله تعالى {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات 2] أو كان ذلك طبعهنَّ. وقيل ويحتمل أن يكون الرفع حصلَ من اجتماع أصواتهنَّ لا أن كلَّ واحدةٍ منهنَّ بانفرادها كان صوتها أرفع من صوته صلى الله عليه وسلم.

(فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قُمْنَ فَبَادَرْنَ) أي أسرعنَ (الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لم يُرِد به الدُّعاء بكثرة الضَّحك، بل أراد لازمه، وهو السرور والفرح (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابِ، قَالَ عُمَرُ فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ) بفتح الهاء، من الهيبة

ج 16 ص 279

(ثُمَّ قَالَ عُمَرُ يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أتوقرنَني ولا توقرنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَقُلْنَ نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ) بالمعجمتين بصيغة أفعل التَّفضيل، من الفظاظةِ والغلاظة وهو يقتضِي الشَّركة في أصل الفعلِ فكيف يصحُّ قوله (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إذ يعارضُه قوله تعالى {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران 159] فإنه يقتضي أنَّه لم يكن فظًّا ولا غليظًا.

والجواب أنَّ الذي في الآية يقتضِي نفي وجود ذلك له صفةً لازمة، وأمَّا ما في الحديث فهو لا يستلزمُ ذلك بل مجرَّد وجود الصِّفة له في بعض الأحوال من إغلاظه على الكفَّار، وعلى المنتهكين لحرماتِ الله تعالى، وجوَّز الكرماني أن يكون الأفظ هنا بمعنى الفظ.

وقال الحافظ العسقلاني وفيه نظرٌ للتَّصريح بالتَّرجيح المقتضِي لحمل أفعل على بابه. وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس بمحل للنَّظر؛ لأنَّ هذا الباب بابٌ واسعٌ في كلام العرب أقول وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا بما يكرهُ إلَّا في حقِّ من حقوقِ الله، وكان عمر رضي الله عنه يبالغُ في الزَّجر عن المكروهات مطلقًا، وفي طلب المندوباتِ كلها، فلهذا قال النِّسوة له ذلك، فيكون أفعل في بابه، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) قال أهل اللُّغة أيهًا _ بالفتح والتنوين _ معناها لا تبتَدِئنا بحديثٍ، وبغير تنوين كف من حديث عهدناه، وإِيهٍ _ بالكسر والتنوين _ معناها حدِّثنا ما شئتَ، وبغير التَّنوين زد ممَّا حدَّثتنا. قال الحافظ العسقلاني ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين، وحكى ابن التِّين أنَّه وقعَ بغير تنوين، وقال معناه كفَّ عن لومهنَّ. وقال العيني بكسر الهمزة وسكون المثناة التحتية، وبالهاء المفتوحة المنونة. ويروى بكسر الهمزة وكسر الهاء المنونة. والفرق بينهما أنَّ معنى الأول لا تبتدئنا بحديث، ومعنى الثاني زدنا حديثًا ما. وفيه لغةٌ أخرى وهي إِيه

ج 16 ص 280

_ بكسر الهمزة والهاء بغير تنوين _ ومعناه زدنا ممَّا عهدنا.

وقال الجوهري إيه _ يعني بكسر الهمزة والهاء بغير تنوين _ اسم يسمَّى به الفعل؛ لأنَّ معناه الأمر، تقول للرجل إذا استزدتَه من حديث أو عملٍ إيه، بكسر الهاء، وقال ابن السِّكيت فإن وُصِلت نوِّنت، فقلت إيهٍ حديثًا.

وقال الجوهري أيضًا وإن أردتَ التَّبعيد قلت أيهًا _ بفتح الهمزة _ بمعنى هيهات، وقال ابن الأثير إيه كلمة يراد بها الاستزادة، وهي مبنيةٌ على الكسر، فإذا وُصِلتَ نوِّنت، فقلت إيهٍ حديثًا، وإذا قلتَ أيهًا _ بالنصب _ فإنما يُراد بها الأمر بالسُّكوت.

وقال الطِّيبي الأمر بتوقيرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوبٌ لذاتهِ تُحمد الزِّيادة منه، فكان قوله صلى الله عليه وسلم إيهٍ استزادة منه في طلب توقيرهِ وتعظيم جانبهِ، فلذلك عقبه بقوله (( والذي نفسي بيده ... ) )إلى آخره فإنه يُشعِرُ بأنَّه رضي مقالتَه وحمدَ فعاله.

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا) أي طريقًا واسعًا (إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) وفيه فضيلة عظيمة لعمر رضي الله عنه، إذ هذا الكلام يقتضِي أنَّ الشَّيطان لا سبيل له عليه، إلَّا أنَّ ذلك لا يقتضِي وجوب العصمة، إذ ليس فيه إلَّا فرار الشَّيطان منه أن يُشاركه في طريق يسلكَها، ولا يمنع ذلك من وسوستهِ له بحسب ما تصل إليه قدرته.

ووقع في حديث حفصة رضي الله عنها عند الطَّبراني في «الأوسط» بلفظ (( إنِّ الشَّيطان لا يَلقَى عمر منذ أسلم إلَّا خرَّ لوجهه ) )وهذا دالٌّ على صلابتهِ في الدِّين، واستمرار حاله على الجِدِّ الصِّرف، والحقِّ المحض.

وقال النَّووي وهذا الحديث محمولٌ على ظاهره، وأنَّ الشَّيطان يهرب إذا رآه.

وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون ذلك على سبيل ضرب المثل، وأنَّ عمر رضي الله عنه فارق سبيل الشَّيطان، وسلكَ طريق السَّداد، فخالف كلَّ ما يحبُّه الشَّيطان، والأوَّل أولى، انتهى.

وقال العينيُّ عدم سلوكه الطَّريق الذي يسلك فيه عمر رضي الله عنه

ج 16 ص 281

إنما كان لأجلِ خوفه منه لا لأجل معنى آخر، والدَّليل عليه ما رواه الطَّبراني في «الأوسط» من حديث حفصة رضي الله عنها وقد مرَّ آنفًا، فالذي يكون حاله مع عمر رضي الله عنه هكذا كيف لا يمنع من الوصول إليه لأجلِ الوسوسةِ وتمكُّن الشيطان من وسوسة بني آدم ما هو إلَّا بأنَّه يجري في عروقِ بني آدم مثل ما يجرِي الدَّم، فالَّذي يهربُ منه، ويخرُّ على وجهه إذا رآهُ كيف يجدُ طريقًا إليه، وما ذاك إلَّا خاصة له، وضعها الله فيه فضلًا منه وكرمًا، وبهذا لا يدَّعي العصمة لأنَّها من خواص الأنبياء عليهم السلام، انتهى. فليتأمل.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت