فهرس الكتاب

الصفحة 5310 من 11127

3473 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ

ج 15 ص 484

أَبِي النَّضْرِ)بسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم، وهو ابن أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي ابن معمر القرشي التَّيمي المدني (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ فِي الطَّاعُونِ) أي في حال الطاعون وشأنه، وهو على وزن فاعول من الطَّعن، غير أنَّه عُدِلَ عن أصله، ووُضِعَ دالًا على الموت العام بالوباء، وقال الخليل الوباءُ هو الطَّاعون، وقيل هو كلُّ مرضٍ عام يقع بكثير من النَّاس نوعًا واحدًا بخلاف سائر الأوقات، فإنَّ أمراضهم مختلفةٌ، فقالوا كلُّ طاعون وباء، وليس كلُّ وباءٍ طاعونًا، وقيل الطَّاعون هو الموت الكثير، وقيل هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرجُ مع لهيب ويسودُ ما حوله أو يخضرن، ويحصلُ معه خفقانُ القَلْبِ والقيء، ويخرجُ في المراقِّ والآباط غالبًا.

(فَقَالَ أُسَامَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّاعُونُ رِجْزٌ) أي عذاب (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شكٌّ من الرَّاوي؛ أي هو عذاب على من كان قبلنا، وهو رحمة لهذه الأمة، كما صرَّح به في الحديث الآتي (فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا) بفتح الدال (عَلَيْهِ) أي على الطَّاعون الذي وقع بأرض، وذلك لأنَّ المقام بالموضع الذي لا طاعون فيه أسكنُ للقلوب من القلق والاضطراب.

(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) أي لأجل الفرار من الطَّاعون، وذكر ابنُ جرير الخلاف عن السَّلف في الفرار منه، فذكر عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّه كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطَّاعون.

وعن الأسود بن هلال ومسروق أنَّهما كانا يفران منه، وعن عَمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّه قال تفرقوا في هذا الرجز في الشِّعاب والأودية ورؤوس الجبال فبلغَ ذلك معاذًا

ج 15 ص 485

رضي الله عنه فأنكره، وقال بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم، وكان بالكوفة طاعون فخرج المغيرة منها، فلمَّا كان في حصار بني عوف طُعِنَ فمات.

وأمَّا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فإنَّه رجع من سرع ولم يقدم عليه حتَّى قدم الشَّام وذلك لدفع الأوهام المشوشة لنفس الإنسان، وتأوَّلَ مَن فَرَّ أنه لم يُنْهَ عن الدُّخول والخروج مخافةَ أن يصيبَه غيرُ المقدور، ولكن مخافة الفتنة أن يظنوا أنَّ هلاكَ القادم إنَّما حصل بقدومه وسلامةَ الفار إنما كانت بفراره، وهذا من نحو النهي عن الطِّيرة.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه «هو فتنة على المقيم والفار، أمَّا الفار فيقول فررتُ فنجوتُ، وأمَّا المقيم أقمتُ فأصبت، وإنما فر من لم يأت أجله، وأقام من حَضَرَ أَجَلُه» . وقالت عائشة رضي الله عنها «الفرار منه كالفرار من الزَّحف» ، ويقال قلَّما فرَّ أحدٌ من الوَباءِ فَسَلِمَ، ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة 243] الآية. قال الحسن خرجوا حذرًا من الطَّاعون فأماتهم الله في ساعةٍ واحدةٍ وهم أربعون ألفًا.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتابه، والعهدةُ عليه كانت العرب تقول إذا دخل أحد بلدًا وفيها وباء فإنَّه ينهقُ نهيقَ الحمار قبل دخوله فيها، فإنه إذا فعل ذلك أمن من الوباء. وقال ابنُ الجوزي لمَّا لم يُؤْمَن على القادم عليه أن يَظُنَّ إذا أصابه أنَّ ذلك على سبيل العدوى التي لا صُنْع للقَدَرِ فيها نُهِيَ عن ذلك لما فيه من تزلزل الباطن، وقيل إنَّما نُهِيَ عن الخروج؛ لأنَّه إذا خرج الأصحَّاء هلك المرضى فلا يبقى من يقوم بأمرهم، والله تعالى أعلم.

(قَالَ أَبُو النَّضْرِ لاَ يُخْرِجُكُمْ إِلاَّ فِرَارًا مِنْهُ) كذا هو بالنصب، ويجوز رفعه، واستشكلهما النَّووي وكذا القرطبي لأنَّ ظاهره المنع من الخروج لكلِّ سبب إلَّا للفرار

ج 15 ص 486

وهو نقيضُ المقصود من الحديث، فلذلك قيَّده بعض رواة «الموطَّأ» بكسر الهمزة وسكون الفاء ورُدَّ هذا بأنَّه لا يقال أَفَرَّ إِفْرارًا، وإنما يقال فَرَّ فِرارًا، وقيل (إلَّا) ، هاهنا غَلَطٌ من الرَّاوي، والصَّواب حذفُها، وقيل إنها زائدة، وفي ثبوت زيادة إلَّا في كلام العرب كلام، ووجَّه طائفةٌ النَّصْبَ على الحال وجعلوا إلا للإيجاب لا للاستثناء، وتقديره لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلَّا فرارًا منه وأباح الخروج لغرضٍ آخر كالتِّجارة ونحوها.

وقال الكِرمانيُّ إنَّ أبا النَّضر فسَّر قوله صلى الله عليه وسلم (( فلا تخرجوا فرارًا منه ) )بأنَّ المراد منه الحصر يعني أنَّ الخروج المنهي عنه هو الذي يكون لمجرَّد الفرار لا لغرضٍ آخر؛ فهو تفسير للمعلَّل المنهي لا للنَّهي، أو أنَّه زاد بعد رواية لا تخرجوا فرارًا، قوله لا يخرجُكم إلَّا فرارًا، فيكون أيضًا تفسيره نقلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من تلقاء نفسه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه البخاري، في ترك الحيل أيضًا [خ¦6974] وأخرجه مسلم في الطب والتِّرمذي في الجنائز، والنَّسائي في الطِّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت