فهرس الكتاب

الصفحة 5309 من 11127

3472 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر السَّعدي البخاري، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمهما، ولا على اسم أحد ممَّن ذُكِرَ في هذه القصَّة، لكن في «المبتدأ» لوهب بن منبِّه أنَّ الذي تحاكما إليه هو داود النَّبي عليه السَّلام. وفي «المبتدأ» لإسحاق بن بِشْرٍ أن ذلك وقع في زمن ذي القرنين من بعض قضاته، وصنيع البخاري يقتضِي ترجيحَ ما وقع عند وهب؛ لكونه أوردَه في ذِكْرِ بني إسرائيل.

(عَقَارًا لَهُ) العَقار، بفتح العين، في اللُّغة المنزل،

ج 15 ص 481

والضَّيعة وخصَّه بعضهم بالنَّخل ويقال للمتاع النَّفيس الذي في المنزل عقار أيضًا، وقال القاضي عياض العقار الأصل من المال؛ أي من الأرض وما يتَّصل بها، وعقرُ الشَّيء أصله، ومنه عَقر الأرض، بفتح العين وضمها، وقيل المنزل والضَّيعة، وقيل متاعُ البيت فجعله خلافًا.

وقال ابن التِّين العقار الضِّياع، وعقار الرَّجل ضيعته، والمعروف في اللُّغة أنَّه مقولٌ على الجميع بالاشتراك، والمراد به هنا الدَّار، وقد صرَّح بذلك في حديث وهب بن منبِّه.

(فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً) بفتح الجيم، وهي من الفخَّار ما يُصْنَعُ من المَدَر (فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ) ويروى (( فقال له الذي اشترى العقار ) ) (خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا) ويروى (اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ الذَّهَبَ) أي ولم اشتر منك الذَّهب، وهذا صريحٌ في أن العقد إنَّما وقع بينهما على الأرض خاصَّة، فاعتقد البائعُ دخولَها فيها ضمنًا، واعتقد المشتري أنَّه لا يدخل، وأمَّا صورة الدَّعوى بينهما فوقعت على هذه الصُّورة، وأنَّهما لم يختلفا في صورة العقد التي وقعت، والحكم في شرعنا على هذا في مثل ذلك أنَّ القول قول المشتري، وأنَّ الذَّهب باقٍ على ملك البائع، ويحتمل أنَّهما اختلفا في صورة العقد بأن يقول المشتري لم يقع تصريح ببيع الأرض وما فيها، بل ببيع الأرض خاصَّة والبائع يقول وقع التَّصريح بذلك، والحكم في هذه الصُّورة أن يتحالفا ويسترد المبيع، وهذا كله بناء على ظاهر اللَّفظ أنَّه وجد فيها جرَّة من ذهب، لكن في رواية إسحاق بن بشر أنَّ المشتري قال إنَّه اشترى دارًا فعمرها فوجد فيها كنزًا، وأنَّ البائع قال له لما دعاه إلى أخذهُ ما دفنْتُ ولا عَلِمْتُ، وأنَّهما قالا للقاضي ابعث من يقبضه ويدعه حيث رأيتَ فامتنعَ، وعلى هذا، فحُكْمُ هذا المال حكم الرِّكاز في هذه الشَّريعة إنْ عُرِفَ أنَّه من دفين الجاهليَّة، وإلَّا فإن عُرِفَ أنَّه من دفين المسلمين فهو لقطة، وإن جُهِلَ فحُكْمُه حُكْمُ المال الضَّائع يوضعُ في بيت المال، ولعلَّه لم يكن في شرعهم هذا التَّفصيل، فلهذا حَكَمَ القاضي بما حكم به.

(وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرْضُ إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا) والمراد مَن الذي له الأرض الذي كانت له، وهو البائع، ووقع في رواية أحمد

ج 15 ص 482

عن عبد الرَّزَّاق بيان المراد من ذلك ولفظه (( فقال الذي باع الأرض إنما بعتُك الأرضَ وما فيها ) )، ووقع في نسخ مسلم اختلافٌ؛ فالأكثر رَوَوْه بلفظ (( فقال الذي شَرَى الأرض ) )، والمراد باعَ الأرضَ كما قال أحمد، ولبعضهم (( فقال الذي اشترى الأرض ) )، ووهمها القرطبي قال إلَّا إن ثبتَ أن لفظ اشترى من الأضداد كشرَىَ، فلا وهم.

(فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ) ظاهره أنَّهما حكَّمَاهُ في ذلك، لكن في حديث إسحاق بن بشر التَّصريح بأنَّه كان حاكمًا منصوبًا للنَّاس، فإن ثبتَ ذلك فلا حجَّة فيه لمن جوَّز للمتداعيين أن يُحَكِّما بينهما رجلًا وينفذَ حكْمُه، وهي مسألةٌ مختلف فيها، فأجازَ ذلك مالك والشَّافعي بشرط أن يكون فيه أهليَّة الحُكْم، وأن يحكمَ بينهما بالحقِّ سواء وافق ذلك رأيَ قاضي البلد أم لا، واستثنى الشَّافعي الحُدُوْدَ.

وشرط أبو حنيفة أن لا يخالفَ ذلك رأيَ قاضي البلد، وجزم القُرطبي بأنَّه لم يصدرْ منه حُكْمٌ على أحد منهما وإنما أصلحَ بينهما لما ظهرَ له أن حكمَ المال المذكور حكمُ المالِ الضَّائع فرأى أنهما أحقُّ بذلك من غيرهما لما ظهرَ له من ورعهما وحُسن حالهما، ولِمَا ارتجى من طِيْب نسلهما وصلاح ذرِّيتهما، ووقع في رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لقد رأيتُنا يكثرُ تمارينا ومنازعتنا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم أيُّهما أكثر إبانة ) ).

وحكى الماورديُّ خلافًا عندهم إذا ابتاع أرضًا فوجد فيها شيئًا مدفونًا، هل يكون ذلك للبائع أو للمشتري، فإن كان من أنواع الأرض كالحجارة والعُمُد والرُّخام فهو للمشتري، وإن كان كالذَّهب والفضَّة فإن كان من دفين الجاهليَّة فهو ركاز، وإن كان من دفين المسلمين فهو لُقَطة، وإن جُهِلَ ذلك كان مالًا ضائعًا، فإن كان هناك بيت مال يُحْفَظُ فيه، وإلَّا صُرِفَ في الفقراء والمساكين، وفيما يستعان به على أمور الدِّين وفيما أمكن من مصالح المسلمين.

وقال ابن التِّين فإن كان من دفين الإسلام فهو لقطة، وإن كان من دفين الجاهليَّة، فقال مالك هو للبائع، وخالفه ابن القاسم فقال إن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها،

ج 15 ص 483

وقول مالك أحسن لأنَّ من ملك أرضًا باختطاط ملك ما في بطنها، وليس جَهْلُه به حين البيع يُسْقِطُ مُلْكَه فيه.

(فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ أَلَكُمَا وَلَدٌ) بفتح الواو واللام، والمراد به الجنس؛ لأنَّه يستحيلُ أن يكون للرَّجلين جميعًا ولد واحدًا، والمعنى أَلِكُلِّ واحدٍ منكما ولدٌ، ويجوز أن يكون وُلْد، بضم الواو وسكون اللام، وهي صيغة جَمْع؛ أي ألكما أولاد، ويجوز كسر الواو أيضًا في ذلك (فَقَالَ) ويروى بدون الفاء (أَحَدُهُمَا لِي غُلاَمٌ) بين في رواية إسحاق بن بِشْر أنَّ الذي قال لي غلام هو الذي اشترى العقار (وَقَالَ الآخَرُ لِي جَارِيَةٌ) أي بنت مراهقة.

(قَالَ أَنْكِحُوا الْغُلاَمَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا) هكذا وقع بصيغة الجَمْع في الإنكاح والإنفاق، وبصيغة التثنية في النَّفسين وفي التَّصدق وكأنَّ السرَّ في ذلك أن الزَّوجين كانا محجورين وإنكاحُهما لابدَّ فيه مع ولييهما من شاهدين، وكذلك الإنفاق قد يحتاج فيه إلى المعين كالوكيل، وأمَّا تثنية النفسين فللإشارة إلى اختصاص الزَّوجين بذلك، وقد وقع في رواية إسحاق بن بشر ما يشعرُ بذلك ولفظه (( اذهبا فزوِّج ابنتك من ابن هذا، وجَهِّزوهما من هذا المال، وأنْفِقوا عليهما ما بقي يعيشان به ) )، وأمَّا تثنية التصدُّق فللإشارة إلى أن يَباشِرَها بغير واسطة لما في ذلك من الفضل، وأيضًا فهي تبرُّع لا يصدرُ من غير الرشيد، ولاسيَّما ممَّن ليس له فيها ملك، ووقع في رواية مسلم (( وأنفقا على أنفسكما ) )، والأوَّل أَوْجَه، والله تعالى أعلم.

وقال الكِرماني وفي الحديث كمال تورُّعِهم واحتياطِهم عكس أهل زمان نحن فيه إلَّا من عصمة الله تعالى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الرَّجلين المذكورين فيه من بني إسرائيل، وقد أخرجه مسلم في القضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت