…35 - قال (( ح ) )في الكلام على حديث مَن يقُم ليلة القَدْر غُفر له، وفي استعمال الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا نزاع بين النَّحْويين، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون لكن بقلَّة، واستدلُّوا بقوله تعالى {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ} [سورة الشعراء4 لأنَّ قوله {فظلَّت} بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلُّوا أيضًا بهذا الحديث، وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنَّي أظنُّه مِن تصرُّف الرُّواة؛ لأنَّ الروايات فيه مشهورةٌ بلفظ المضارع في الشَّرط والجواب.
…وقد رواه النَّسائيُّ عن محمَّد بن عليِّ بن ميمون عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، ولم يغاير بين الشَّرط والجزاء بل قال «من يَقُم
ص 61
ليلةَ القدر يُغفرْ له».
…ورواه أبو نُعيم في «المستخرج» عن الطَّبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة عن أبي اليمان بلفظ «لَا يَقُومُ أَحَدٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
…وقوله «فيوافقها» زيادة بيان، وإلَّا فالجزاء مرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدُقُ قيامُ ليلة القدر إلَّا على مَن وافقها، والحصر المستفاد مِن النَّفي والإثْبات مُستفادٌ مِن الشَّرط والجزاء، فوضح أنَّ ذلك مُستفاد مِن تصرُّف الرُّواة بالمعنى؛ لأنَّ مُخْرَج الحديث واحدٌ.
…قال (( ع ) )لا نسلم أنَّ تابع الجواب جواب؛ بل هو في حكم الجواب، وفرْقٌ بين الجواب وحكم الجواب.
…وقوله عندي في الاستدلال به نظر [1، ثمَّ ساق ما تقدَّم مختصرًا، ثمَّ قال ولقائلٍ أن يقول لم لا يجوز أن يكون مِن تصرُّف الرُّواة فيما رواه النَّسائيُّ والطَّبَرَانيُّ، فإنَّ رواية الرَّاويَيْن المذكورَيْن لا تعادل رواية البخاريِّ، فيكون اللَّفظ بالمغايرة بين الشَّرط والجزاء هو اللَّفظ النَّبويُّ.
…قلت أمَّا التجويز فَلا مانعَ منه لكن [2] الرُّواة إذا اختلفوا في اللَّفظِ الواردِ امتنع الاحتجاج في اللغة ببعض المختلف؛ لأنَّه يطرقه [3] الاحتمال، سواء كان الاحتمال راجحًا أو مرجوحًا، وأمَّا تقديم رواية البخاري على غيره فمسلَّم، لكن يحتمل أن يكون الاختلاف مِن شيخهم، فحيثُ حدَّث به البخاري [4] حديثه
ص 62
باللَّفظ الذي نقله عنه، وحيث حدَّث به غيره حدَّثهم باللَّفظ الآخر، ويدلُّ على ذلك الألفاظ الزَّائدة في رواية شيخ الطبرانيِّ، فإنَّما تدلُّ على أبي اليمان، ولَمَّا [5] حدَّثه به أورده بالألفاظ الزَّائدة، وإلَّا فليس هو بأحفظ ممَّا [6] رواه عن أبي اليمان، وإذا وقع التَّصرف في اللَّفظ مِن أبي اليمان امتنع الجزم بأنَّ اللَّفظ النَّبويَّ هو بعض تلك الألفاظ فامتنع الاحتجاج بذلك في اللُّغة، ولم يلزم مِن ترجيح البخاريِّ على أن تجده [7] ، والمنويُّ [8] الجزم بأنَّ اللَّفظ الَّذي رواه هو اللَّفظ النَّبويُّ بعينه ليصحَّ الاحتجاج في اللُّغة. والله أعلم.
[1] في (س) «عندي به في الاستدلال نظر» .
[2] زاد في (س) كلمة كأنها «المحراة» .
[3] في (س) «يطرق» .
[4] قوله «على غيره فمسلَّم، لكن يحتمل أن يكون الاختلاف من شيخهم، فحيثُ حدَّث به البخاري» ليس في (س) .
[5] في (س) «لما» بلا واو.
[6] في (س) «ممن» .
[7] في (س) «نجده» .
[8] في (س) «والمهوي» ، وبعدها بياض.