عندما وصلت لإحدى القرى التي تقع من ضمن هذه"العلبة"المدمرة ، كانت الشوارع قد تحولت إلى حفر براكين ، فتعثرت قدمي بساق جاموس ممزق ، فسقطت بقوة داخل حفرة مليئة بأشلاء القتلى و جثث الأطفال التي تطايرت بفعل الإنفجار.
كانت جلود الأطفال قد انسلخت و طويت على بعضها ، وبرزت الشرايين و الأوردة و ظهر من خلالها اللحم المحترق الذي يتدفق منه الدم، بينما أعين هؤلاء الأطفال بقيت كما هي ، لكن محدقة إلى الأعلى! لقد تكورت إحدى الأرجل الصغيرة إلى درجة كبيرة كانت تبدو معها القدم كأنها قد نبتت من كتف الطفل! كنت أتقيأ من هذا المشهد!
لقد تعمدت أن أصف هذا المشهد بهذا التفصيل ، فهذا ما رأيته ، دائمًا ، ومع ذلك ، فإن أماكن بشعة كهذه حيث تختلط فيها الجثث مع بعضها لا تصل أخبارها و مشاهدها إلى ماكنة الإعلام الحربي كالتلفزيون أو حتى صفحات الجرائد. هذه المشاهد كنت أراها فقط مثبتة على جدران وكالات الأنباء في (سايغون) كأنها متحف يجمع صور الوحوش!
تلى ذلك بضعة سنين حين رأيت أطفالًا فييتناميين يعانون من تشوه خلقي شديد في قرى كانت الطائرات الأميركية قد رشتها بمبيدات كيميائية تعرف بـ (العامل البرتقالي) . هذا المبيد الذي حظر في الولايات المتحدة ، ولا ريب ! لأنه يحتوي على مادة الدايوكسيد ، احد أشد السموم المعروفة فتكًا.
هذا السلاح الكيميائي الفضيع ، سلاح الإبادة الجماعية ، ألقاه الأميركان على نصف فييتنام الجنوبية. و اليوم بعد أكثر من نصف قرن على انتهاء الحرب ، لا يزال هذا السم الكيميائي ينتشر عن طريق المياه و التربة و المزروعات الى الفييتناميين ، حيث لا يزال إلى الآن يولد الأطفال الفييتناميون بدون حنك أو خد أو خصيتين ، أو يولدوا ميتين!
لم تروا هؤلاء الأطفال على شاشات الأخبار في التلفزيون يومها ، لقد كانت مشاهدهم بشعة ، شاهدة على جريمة كبرى ، و لم توضع صورهم و شكواهم على أي حائط حتى ، وقد أصبحوا الآن أخبارًا قديمة.