الصفحة 31 من 43

فلا ينبغي للرجل أن يبغضها إذا رأى منها ما يكره، لأنه إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، فيقابل هذا بذاك.

وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال لرجل طلق امرأته: (( لم طلقتها؟ ) )قال: (( لا أحبها ) )فقال:

(( أو كل البيوت بني على الحب؟، فأين الرعاية والتذمم؟ ) ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن المرأة لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها ) ).

وعنه صلى الله عليه وسلم بلفظ: (( واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرًا ) ).

ومعنى (( خلقت ) )أي أخرجت كما تخرج النخلة من النواة. (( من ضلع ) )واحد الأضلاع، فالمراد أن أول النساء خلق من ضلع، أو المراد التمثيل، قال القاضي: (( استعير الضلع للمعوج صورة ومعنى، فيكون المراد: أنها مثل الضلع، ويشهد لها قوله: (( لن تستقيم لك على طريقة ) ).

والعوج: بفتح العين في الأجسام، وبكسرها في المعاني. قوله: (( إن ذهبت تقيمها كسرتها ) )أي إن أردت منها تسوية اعوجاجها أدى إلى فراقها، فهو ضرب مثل للطلاق، قوله: (( وإن تركته ) )أي لم تقمه (( لم يزل أعوج ) )فلا تطمع في استقامتهن،، قوله: (( وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ) )ذكر تأكيدًا لمعنى الكسر، وإشارة إلى أنها خلقت من أعوج آخر الضلع، مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، أو ضربه مثلًا لأعلى المرأة، لأن أعلاها رأسها، وفيه لسانها، وهو الذي يحصل به الأذى، وقوله: (( استوصوا بالنساء خيرًا ) )الاستيصاء قبول الوصية، فالمعنى: أوصيكم فيهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، فلا يتأتى الانتفاع بهن إلا بأن يداريها ويلاطفها ويوفيها حقوقها، أو تكون السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية والنصيحة من غيركم بهن.

وقد نظم بعضهم معنى هذا الحديث فقال:

هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها

تجمع ضعفًا واقتدارًا على الفتى ... أليس عجبًا ضعفها واقتدارها

ومن المعاشرة بالمعروف:

أن يتحبب إليها، ويناديها بأحب الأسماء، وأن يكرمها بما يرضيها، ومن ذلك أن يكرمها في أهلها عن طريق الثناء عليهم أمام زوجته، ومبادلتهم الزيارات، ودعوتهم في المناسبات.

ومنها أن يستمع إلى حديثها، ويحترم رأيها، ويأخذ بشوراها إذا أشارت عليه برأي صواب، فقد أخذ صلى الله عليه وسلم برأي أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية فكان في ذلك سلامة المسلمين من الإثم ونجاحهم من عاقبة المخالفة.

وبالجملة فكل أمر يتصور في الدين والعرف أنه حسن فهو من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها.

قال صلى الله عليه وسلم: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ).وفيما يلي نعرض لقبس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حسن المعاشرة ليكون نبراسًا لمن أراد أن يتمثل قوله تعالى: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًًا ) ).

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه، ومداعبة أهله ) )وفي رواية: (( كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا تأديبه فرسه ورميه عن قوسه ومداعبة أهله ) ).قال ابن كثير رحمه الله: (وكان من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البِشْر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد إليها بذلك، قالت:(( سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سبقته بعدما حملت اللحم فسبقني، فقال: هذه بتلك ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت