مستحسن، وفي النفوس مستلمح، وفي الأذواق مستعذب، وفي القلوب محبوب، وللأسماع مألوف: كلما تكرر حَلَا، ومن أي الأفواه سمع علا وغلا، ولا يصح في العقل السليم أن تجتمع كل تلك الصفات فيه اتفاقا، ولا يصدق بالصدفة في ذلك الفكر الصحيح، فمن الواجب في حق هؤلاء المتأملين فيه، والمتدبرين فيما يحويه، واللائق بإنصافهم بعد ذلك أن يقولوا: إن الذي ظهر لنا، وتحققناه من اجتماع تلك الصفات في هذا الكلام البديع أنه كلام تعجز عنه قوى البشر، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، فإتيان محمد عليه السلام به، وهو أمي، ومن المحال عادة أن يأتي به أكبر العلماء، وأحذق الفلاسفة، وأعظم المؤرخين، وأكبر السياسيين، دليل واضح على أنه من عند الله تعالى، أرسل به محمدا ليكون معجزة له تدل على تصديقه إياه في دعوى الرسالة.
واعلم أن هذا الطريق في الاستدلال على كون القرآن معجزة أيد الله تعالى بها سيدنا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد هدى الله تعالى به كثيرا من أتباعه عليه الصلاة والسلام، كما هدى بالطريق الأول، وهو احتواء القرآن على الفصاحة والبلاغة اللتين عجز فصحاء العرب وبلغاؤهم بسببهما عن معارضة أقصر سورة منه، ولم يزل كلٌّ من هذين الطريقين سهل السلوك على أهل المعرفة بفن الفصاحة والبلاغة، وعلى أصحاب المعرفة بفضائل الكلام إلى الآن، وبعد الآن إلى انقضاء الليالي والأيام، ومن لم يكن من أهل هاتين