أن نقول: إن الصفات التسع التي تقدم إثبات وجوبها له تعالى، واستحالة أضدادها، وهي أي تلك الصفات؛ الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية، والإرادة، والقدرة، والعلم، وإن كان عليها مدار الألوهية، ووجود إله متصف بها يكفي في توجيه وجود هذا العالم، ويقنع العقل السليم، لكنا إذا تأملنا بعد ذلك في شأن هذا الإله سبحانه وفي بديع مصنوعاته، وما احتوت عليه من كمال الإتقان والإحكام، بحيث إنه سبحانه أعطى كل شيء كماله، وكل ما يقوم بوجوده، ويصلح نشأته، نجزم بأنه إذا كانت مصنوعاته في هذا الكمال، فمن المستحيل أن يكون هو سبحانه ناقصا، لأننا في جميع ما نتصوره لا نجد الشيء يوجد مثله، فضلا عن أن الناقص يوجد ويبتدع الكامل، أو أن الكامل يوجد أكمل منه، هذا الإنسان هو أعلم الحيوانات وأقدرها في الصناعة، مهما صنع وابتدع، فإنه لا يقرب في صنعه من الكمال الذي هو قائم فيه، فضلا من أن يصنع مثله أو أكمل منه فلا يقدر على صنع نبات، فضلا عن صنع حيوان أو إنسان، بل لو سقطت شعرة من جسده لا يقدره على إعادتها كما كانت، وما نراه يجري على يده من ظهور النبات، والحيوان، فإنما هو بمباشرته الأمور التي جعلها الله تعالى أسبابا عادية لتولد النبات أو الحيوان، فتراه يضع البزر في الأرض، يعرضه للحرارة، ويسقيه الماء فينبت منه النبات وهو لا يدري كيف نبت وحدثت فيه سائر خواصه