فسيدنا عمر حينما تسلَّم الأمر خاف الناس شدَّته وبأسه، سيدنا عمر كان شديدًا، شديدًا في أمر الله عزَّ وجل، فحينما تهامس الناس خائفين وجلين من تولّي هذا الخليفة الشديد الأمر, دخل عليه حُذيْفة فوجده مهموم النفس، باكي العين، فقال له: ما الذي يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال عمر رضي الله عنه: إني أخاف أن أُخطئ فلا يردني أحدٌ منكم تعظيمًا لي، فقال حذيفة: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه، عندئذٍ فرح عمر وتألَّق وجهه, وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحابًا يقوّمونني إذا اعوججت.
مرةً صعد المنبر رضي الله عنه, وقال للناس جميعًا:"يا معشر المسلمين, ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا؟ فيشق الصفوف رجل ويقول وهو يلوِّح بذراعه وكأنَّه حُسام ممشوق: إذًا نقول بالسيف هكذا, فيسأله عمر: إياي تعني بقولك, قال: نعم إيّاك أعني بقولي, فما الذي حدث؟ يتألَّق وجهه ويضيء ويبتسم, ويقول:"رحمك الله، الحمد لله الذي جعل فيكم من يقوِّم اعوجاجي", ألم أقل لكم في درس سابق: نحن أمام أخبارٍ واقعيةٍ كأنها أساطير."
يا أخواننا الكرام, إذا كنتَ معلِّم صف، أو مديرَ مستشفى، أو صاحب شركة، أو مهما كان عملك متواضعًا، حينما تلغي الاعتراض على تصرُّفاتك، حينما تُلغي النقد البنَّاء، حينما تستبدّ برأيك ينتهي سلطانك، وتسير نحو الهاوية، أما إذا استشرت وسألت, وأصغيت واستنصحت، وجعلت حولك أناسًا صادقين مخلصين لا يجاملون ولا ينافقون ولا يكذبون, فأنت بهذا تتألَّق وترقى ويزداد عملك رسوخًا.
مؤلِّف الكتاب الذي نقلت منه هذا الخبر علَّق تعليقًا رائعًا, قال:"لا يمكن أن يكون موقف هذا الخليفة العظيم موقفًا استعراضيًا، هدفه الكسب الرخيص، ولكنه كان موقفًا صادقًا حقيقيًا، أملاه عليه إيمانه وإخلاصه".