وأول الآيات التي سنشرح في بيان معانيها بيانًا وبلاغيًا هو قول الله جلا وعلى: ( الرَّحمَنُ، عَلَّمَ القُرءَانَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ) أيّه المستمع الكريم نعلم جميعًا أن الرب تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى وصفات عُلى، ومن أسماءه الحسنى (الرحمن) وهذا الاسم المبارك استفتح الله جلا وعلى به هذه السورة المباركة، ثم أتبع ذلك جلّ ذكره بذكر نعمتين عظيمتين أنعم بهما على خلقه: نعمت الخلق والإيجاد، ونعمت الهداية والإرشاد، ومعلوم قطعًا بداهة أن نعمة الخلق والإيجاد مقدمةً زمنًا على نعمة الهداية والإرشاد، كما أن نعمة الخلق والإيجاد يشترك فيها جميع المخلوقين جميع الموجودين فالذي خلقهم وأوجدهم من العدم ورباهم بالنعم هو الرب تبارك وتعالى، لكن الله جلا وعلى هنا قال: ( الرَّحمَنُ، عَلَّمَ القُرءَانَ) فذكر تعليم القرآن مقدمًا على الخلق والإيجاد، وهذا هو السر الذي البياني الذي سنقف عنده في هذه الحلقة المباركة.
فنقول لما كانت نعمة الهداية والإرشاد أعظم من نعمة الخلق والإيجاد قدمها الله وإن كانت متأخرة زمنًا، إلا أن الله جلا وعلى قدمها لعظيم نفعها وجلالة أثرها، ولأن نعمة الهداية والإرشاد لا ينالها إلا المؤمنون لا ينالها إلا المطيعون المخبتون المتقون، لكن نعمة الخلق والإيجاد هي مشتركة بين الخلق ينالها كل أحد فكل مخلوق من برًا أوفاجر من مؤمنًا أو كافر من بني آدم من الجن من الملائكة من البهائم من الطير كلهم يجتمعون يتساوون في أنهم مخلوقون لرب تبارك وتعالى، فهذا السر البياني الذي من أجله قدم الله جلا وعلى نعمة الهداية والإرشاد لأنها خاصة أعطها الله جلا وعلى لبعض خلقه ومنحها تبارك وتعالى لبعض عباده جعلنا الله وإياكم ممن أفاء الله جلا وعلى هذه النعمة..