برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة وقال حلق الذكر ومن هذا قوله ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله وقد سئلوه عن وصاله في الصوم وقال اني لست كهيئتكم انى أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فاخبر إن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب والحسي وإن ما يحصل له من ذلك أمر مختصا به لا يشركه فيه غيره فاذا أمسك عن الطعام والشراب فله عوض عنه يقوم مقامه وينوب منابه ويغنى عنه كما قيل
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتحي عند ميعادى
وكل ما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو اليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكل ما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء على الاطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة الا بذلك فعدمه ءألم شيء له وأشد عذابا عليه وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم العقوبة بفراق أحب شيء اليها وأنفعه لها وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته حتى إذا صحى وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والاشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها الى الله بل الالم والحسرة والعذاب هناك أشد باضعاف أضعاف ذلك فان المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض ويعلم إنه قد أصيب بشيء زائل لابقاء له فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعا فلو قضي الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به وان الموت لا يعود أكبر أمنيته وأكبر حسراته هذا لو كان الألم على مجرد الفوات كيف وهناك عن العذاب على الروح والبدن أمور أخرى وجودية مالا يقدره قدره فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الالمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة الا معه فاصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت اليه كيف يكون حالك هذا ومنه كل عوض فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل