من خيار عباده ودعا الذين أحرقوا أولياءهم وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة وقال تعالي يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا في حق التائب وهى تتناول الكفر فما دونه قالوا وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة هذا معلوم انتفاؤه في شرع لله وجزائه قالوا وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ولا يمكن تسليمها إلى المقتول فأقام الشارع وليه مقامه وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه فانه يقوم مقام تسليمه للموروث والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله وحق للمظلوم المقتول وحق للولى فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولى ندما علي ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا يسقط حق الله بالتوبة وحق الولى بالإستيفاء أو الصلح أو العفو وبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا وأما مسألة المال فقد اختلف فيها فقالت طائفة إذا أدي ما عليه من المال إلى الوارث فقد بريء من عهدته في الاخرة كما بريء منها في الدنيا وقالت طائفة بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له فأنه منعه من انتفاعه به في طول حياته ومات ولم ينتفع به فهذا ظلم لم يستدركه وأنما ينتفع به غيره بادراكه وبنوا هذا علي أنه لو انتقل من واحد إلي واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة للجميع لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلي كل واحد منهم عند كونه هو الوارث وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وفصل شيخنا رحمه الله بين الطائفتين فقال إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة كما هي له كذلك في الدنيا وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له في الآخرة وهذا التفصيل من أحسن ما يقال فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث وتعذر أخذه منه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل وداره التى أحرقها غيره وطعامه وشرابه الذى أكله وشربه غيره ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث فحق المطالبة لمن تلف على ملكه فينبغي أن يقال فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت فهي ملك للوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت وإذا لم تدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها في الدنيا وهذا سؤال قوى لا مخلص منه إلا بان يقال المطالبة لهما جمعيا كما لو غصب ما لا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون فابطل حق البطون كلهم منه كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم