روي في بعض الروايات أيما أمة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها وهذا يدل على أن المراد بالمرأة المرأة غير الحرة وهذا جمع بين الدلائل, والجمع إذا أمكن أولى من إعمال البعض وإهمال الآخر بغير دليل قاطع وصريح [1] .
وقال ابن الهمام في حديث: «لا نكاح إلا بولي» إنه مضطرب في إسناده لأنه روي موصولًا ومنقطعًا ومرسلًا.
وعلى فرض أننا قلنا إن الأصح فيه أنه موصول لأن الوصل والرفع مقدمان على القطع والإرسال إذا حدث التعارض كما هو الرأي الأصح فإنه حينئذ يكون حسنًا وإذا كان هناك حديث أصح من الحسن ومعارضًا له كحديث الثيب أحق بنفسها من وليها فإنه يجب أن يعمل بالحديث الصحيح ويقدم على الحسن [2] .
جواب الجمهور عن هذا الاعتراض:
وجواب الجمهور عن هذا الاعتراض من الحنفية هو: أن حديث «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» حديث صحيح بدليل أنهم قد احتجوا به في كون الشهادة واجبة في عقد النكاح ولا يصح النكاح بدونها فكيف يتصور أن يحتجوا بجزء من حديث ويتركوا الجزء الآخر فإذا وافقوا على الاحتجاج بجزئه دل على صحته عندهم ولزمهم العمل ببقية الحديث في جزئه الآخر.
وأما إدعاء أن هناك تعارضًا بين هذا الحديث وأحاديث صحيحة تدل على أن المرأة يجوز لها أن تتولى عقد النكاح بنفسها فإنه يسلم لهم إذا لم يمكن الجمع بينه وبينها ولكنه يمكن الجمع بينهما جميعًا لأن الأول في شأن ولاية العقد والثاني في حق المرأة في إذنها عند النكاح وأنها أحق بنفسها من وليها في هذا الإذن الصريح إذا كانت ثيبًا وبذلك يتعلق هذا الحديث بولاية الإجبار وولاية الاختيار من الولي في عقد النكاح وليس بولاية المرأة لنفسها في عقد النكاح.
(1) بدائع الصنائع 3/ 1269، والاختيار 3/ 130 وما بعدها وفتح القدير 1/ 294.
(2) فتح القدير 2/ 294.