وفي شرح هذا الحديث يقول الإمام ابن حجر العسقلاني [1] "... وفي الحديث فضل من يصرعُ، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه، أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق المقصد، والآخر من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله أعلم".
وإذا كان رأي ابن حجر العسقلاني أن هذا الحديث فيه دليل على جواز ترك التداوي، وأنه أفضل من العلاج بالعقاقير، فإن جمهور الفقهاء قد حمل الأمر بالتداوي في حديث أسامة على الندب، وقال باستحباب التداوي، ومن هؤلاء الفقهاء شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري [2] . وهو ما يقول به الإمام النووي أيضًا، استدلالًا بما روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل" [3] ، فقد ذكر"وفي الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف والخلف" [4] .
وهذا ما يُرجّح لديَّ، لأن التداوي سبب من الأسباب التي يضعها الله عز وجل لدفع المرض، بعد أن يكون المريض أو وليه قد تخير الطبيب الذي يثق بدينه وعلمه وخلقه.
إذا كان هذا هو الأصل العام في الإذن بالتداوي من قِبل المريض أو وليه، وأنه مندوب، فإن الحكم يختلف بالنسبة للجراحة الضرورية التي يكون فيها المرض مهددًا بالموت، إذا لم يتم إسعاف المريض بالجراحة اللازمة، حيث يكون الإذن عندئذ واجبًا على المريض أو وليه، وإذا امتنع عنه كان آثمًا، لعموم قوله تعالى"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" [5] . والمريض بامتناعه من الإذن بالجراحة يكون ملقيًا بنفسه إلى الهلاك والتلف، لأن الأطباء المختصين قد أعلموه بالعاقبة التي ينتهي إليها بسبب المرض الجراحي.
ولذا يجب على المريض أو وليه النزول على رأي الأطباء المختصين الذين قالوا بضرورة الجراحة، بالإذن بها، باعتبارها من أهم الأسباب الموصلة إن شاء الله تعالى لنجاة المريض من
(1) فتح الباري جـ 10 ص 115.
(2) أسنى المطالب شروح روض الطالب: المطبعة الميمنية بمصر 1313 هـ جـ 1 ص 295.
(3) صحيح مسلم جـ 14، كتاب السلام، باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي ص 190 - 191.
(4) شرح النووي مع صحيح مسلم جـ 14، ص 191.
(5) سورة البقرة، جزء من الآية 195.