فقد جاء في رد المحتار [1] "فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصيَّ، لأن فيه إلقاء النفس في التهلكة، وأنه منهى عنه في محكم التنزيل، بخلاف من امتنع من التداوي حتى مات، إذ لا يتيقن بأنه يشفيه".
غير أنه يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن الطبي -في مثل هذه الحالات- بالعلاج أو بالجراحة، أن يأذن بذلك، لما ثبت من دعواه صلى الله عليه وسلم لأمته بالتداوي.
فقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" [2] .
وعن أسامة بن شريك رضي الله عنه، قال"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم" [3] .
فلفظ التداوي، عام يشمل التداوي بالعقاقير وبالجراحة. وإذا كان الأصل في الأمر أنه للوجوب ما لم يصرفه صارف، فإن الأمر بالتداوي مصروف من الوجوب إلى الندب، للأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي دلّت على عدم وجوب التداوي.
من ذلك، ما روى عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرعُ وإني أتكشف [4] ، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت، أصبرُ، فقالت: إني أتكشفُ، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها" [5] ."
(1) جـ 5 ص 296.
(2) صحيح البخاري بشرح فتح الباري: المكتبة السلفية جـ 10 كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث رقم 5678 ص 134.
(3) سنن أبي داود جـ 4: كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، حديث رقم 3855 ص 3 والنص له، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، جـ 4 كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، حديث رقم 2038 ص 383، وقال هذا حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه جـ 2 كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث رقم 3436 ص 1137.
(4) أتكشفُ: المراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر، فتح الباري جـ 10 ص 115.
(5) صحيح البخاري جـ 10 كتاب المرضى، باب فضل من يصرعُ من الريح، حديث رقم 5652 ص 114، والنص له، صحيح مسلم بشرح النووي: جـ 16، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ص 131، مسند الإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار الفكر جـ 1 ص 346 - 347.