يتضح مما تقدّم، أهمية إذن المريض أو وليه في سقوط عقوبة القصاص، حتى مع التجاوز والتعدي، ووجوبها عند عدم الإذن وعدم الضرورة، باعتبار أن الجراحة والقطع المترتب عليها، عدوانًا محضًا.
الطبيب في الفقه الإسلامي لا يُسأل عند إذن المريض، إلا إذا تعدّى، وكان تعديه متمثلًا في الخطأ الذي لا يجوز أن يقع فيه طبيب حاذق، بأن كان ناتجًا عن جهل، أو خطأ فاحش، لا تقرّه أصول فن الطب ولا أهل العلم، بخلاف الخطأ اليسير الذي لا تقصير فيه، لأن من شأن مساءلته عن ذلك، أن يؤدي إلى إحجام الأطباء عن علاج مرضاهم، إذا لم يكونوا على يقين من نتائج العلاج، خشية المسئولية، مما يمثل إضرارًا بالمرضى، وقفلًا لباب الاجتهاد في العمل الطبي. وهو ما يأخذ به الفقه القانوني المعاصر أيضًا.
وعلى ذلك، اشترط الفقهاء عدم التجاوز والإذن، لعدم وجوب الضمان، حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما، يجب الضمان [1] .
وقد جاء في المغني [2] والشرح الكبير [3] "ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم، وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوى خبرة في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعلًا محرّمًا، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء."
الثاني: أن لا تجني أيديهم فيتجاوزا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا، لأنهم قطعوا قطعًا مأذونًا فيه، فلم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلًا مباحًا مأذونًا في فعله أشبه ما ذكرنا، فأما إن كان حاذقًا وجنت يده، مثل إن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل قطع، أو يقطع السلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرّم، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، وكذلك الحكم في البزاغ والقاطع في القصاص وقاطع يد السارق، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، لا نعلم فيه خلافًا"."
(1) البحر الرائق جـ 8 ص 33، رد المحتار على الدر المختار جـ 5 ص 43.
(2) جـ 6 ص 120 - 121.
(3) جـ 6 ص 124.