تطبيقًا لهذا، لو قطع ختان الحشفة [1] وبرئ المقطوع، تجب عليه دية كاملة، لأنه لما برئ كان عليه ضمان الحشفة، وهي عضو كامل كاللسان، وإن مات فالواجب عليه نصفها، لحصول تلف النفس بفعلين: أحدهما غير مأذون فيه، وهو قطع الحشفة، فيضمن النصف [2] .
من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي، أن عمل الطبيب عند الإذن بالعلاج أو طلبه يُعد واجبًا. والواجب لا يتقيد بوصف السلامة، والمباح يتقيد به [3] .
فقد جاء في البحر الرائق [4] "ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد، لأنه التزمه بالعقد، فصار واجبًا عليه، والفعل الواجب لا يجامعه الضمان، كما إذا حد القاضي أو عزر، ومات المضروب بذلك، إلا إذا كان يمكنه التحرز عن ذلك، كدق الثوب، فأمكن تقييده بالسلم".
وجاء في مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، للبغدادي [5] "الفصاد والبزاغ والحجام والختان، لا يضمنون بسراية فعلهم إلى الهلاك، إذا لم يتجاوز الموضع المعتاد الممهور المأذون فيه وهي معروفة، ولو شرط عليهم العمل السليم عن السراية بطل الشرط، إذ ليس في وسعهم ذلك، قال في الفصوليين، هذا إذا فعلوا فعلًا معتادًا ولم يقصروا في ذلك العمل ... أما لو فعلوا بخلاف ذلك ضمنوا".
وتطبيقًا لهذا، طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها، ولم تجن يده، فتولّد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبُه، تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقًا، لأنها سراية مأذون فيه [6] .
وقد جاء في روض المربع بشرح زاد المستقنع [7] "ولا يضمن أيضًا حجام وطبيب وبيطار وختان لم تجن أيديهم، إن عرف حذقهم (أي مهارتهم في العمل) أي معرفتهم وصنعتهم، لأنه فعل فعلًا مباحًا، فلم يضمن سرايته، ولا فرّق بين خاصتهم ومشتركهم، فإن لم يكن لهم حذق في"
(1) أي قطع الحشفة كلها، لأنه يقطع بعضها تجب حكومة عدل، وقد قال الزيلعي في وجوب الدية كاملة بقطع الحشفة كلها، هذا من أعجب المسائل، حيث وجب الأكثر بالبرء، والأقل بالهلاك. رد المحتار جـ 5 ص 43.
(2) الدر المختار جـ 5 ص 43، وفي نفس المعنى مجمع الضمانات ص 47.
(3) الدر المختار جـ 5 ص 363.
(4) جـ 8 ص 33 ..
(5) ص 47.
(6) الطب النبوي ص 109 - 110.
(7) للشيخ منصور بن يونس البهوتي، دار الكتاب العربي 1406 - 1986 م ص 324.