فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 52

لما سكت عنه الآخر، ويستفاد بمجموع الروايتين اشتراط عدم التجاوز والإذن لعدم وجوب الضمان، حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما، يجب الضمان"."

يؤكد ذلك أيضًا، أنه ليس في جميع حالات إذن ولي المريض تنتفي المسئولية، كما إذا أذن ولي الصبي أن يختنه في زمن حر مفرط، أو برد مفرط، أو حال ضعف يخاف عليه منه، حيث يجب عندئذ الضمان على المباشر، وهو الخاتن، وإذا تعذر تضمينه، ضمن الوليّ [1] .

وعند المفاضلة بين إذن الشارع وإذن المريض، من حيث رجحان أي من الإذنين، فإنه يرجح إذن الشارع، لأن حق الله تعالى في بقاء حياة المريض وسلامة جسمه، ترجح على حق هذا الأخير فيهما.

وهذا الخلاف ليس من قبيل الخلاف النظري المجرد من الأحكام الشرعية، فرغم مراعاة حق المريض، باشتراط إذنه لممارسة الرخصة التي خوّلها الشارع للطبيب أو الجراح، فإن الإباحة تبقى استنادًا إلى إذن الشارع وحده، في الحالات التي يتعذر فيها أخذ إذن المريض أو إذن وليه، أو رفضهما الإذن بالعلاج أو بالجراحة، كما سيأتي تفصيلًا [2] ، ولو كان إذن المريض أو وليه هو وحده الأساس في الإباحة، أو العنصر الغالب فيها، لظلت الإباحة مرتبطة به وجودًا وعدمًا.

ننتهي مما سبق، إلى أن أساس إباحة عمل الطبيب أو الجراح، هو إذن الشارع وإذن المريض معًا، وأن إذن المريض لا يعدو أن يكون أحد شروط وضع مبدأ الإباحة موضع التطبيق، لأن إذن الشارع هو الذي أنشأ سبب الإباحة من الناحية التجريدية، أما إذن المريض، فهو العامل المباشر الذي يمكن الطبيب من العمل بالرخصة التي خوّلها له الشارع على جسم المريض، باختيار الطريقة المناسبة للعلاج.

وهذا هو الرأي السائد في الفقه القانوني، فرضاء المريض في ذاته ليس سبب إباحة، وإنما مجرد شرط من شروطه، حيث يتعين -فضلًا عن هذا الرضاء- الترخيص القانوني للطبيب أو الجراح، وقصد العلاج، باعتبار أن رضاء المجني عليه وحده كسبب للإباحة، لا يطبق على جرائم الاعتداء على الحياة والحق في سلامة الجسم، لأهميتهما الاجتماعية، ولهذا لا يحول دون عقاب الجاني عن جريمة عمدية، رضاء القتيل بالقتل، ولا يصحح أعمال التطبيب والجراحة غير المشروعة، رضاء المريض المجني عليه أو وليه بها.

(1) كشاف القناع جـ 4 ص 42.

(2) أنظر المبحث الثالث وما بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت