ويُؤخذ على هذا الرأي، أن هناك فرقًا بين الحق في سلامة الجسم، والحق في الجزاء المترتب على الاعتداء عليه، ولا يلزم من إمكانية أن يسقط المجني عليه الحق الثاني، أنه يستطيع إسقاط الحق الأول.
فالحق الأول، وهو الحق الأصيل فيه جانب لله تعالى وجانب للعبد، مع رجحان جانب الله تعالى، في حين أن الحق الثاني، وهو الحق في القصاص أو الدية، وهو الحق البديل، يرجح فيه جانب حق العبد -كما سبق بيانه- فيجوز إسقاطه.
ولهذا فإن قياس عمل الطبيب على التنازل عن العقوبة المقررة على الاعتداء على النفس وما دونها، قياس مع الفارق، لأن إباحة العمل الطبي، تتقيد -فضلًا عن الإذن به من المريض- بأن يتم بقصد العلاج، وأن لا يجاوز الحدود المعتادة. [1]
فضلًا عن أن سقوط القصاص إذا أذن المجني عليه بالاعتداء، لا ينفي حق الله تعالى إزاء هذا الاعتداء، بتوقيع عقوبة تعزيرية، يوقعها القاضي على الجاني، حماية لحق المجتمع الذي يعد المجني عليه أحد أفراده [2] .
كما يظهر حق الله تعالى عند الاعتداء على الحياة، حتى مع عدم إذن المجني عليه، حيث يكون المعتدي قد ارتكب أيضًا معصية تجاه الله تعالى، ولهذا تجب الكفارة [3] ، وفي جانب الفرد، يجب القصاص أو الدية.
ومما يدل على أن إذن المريض وحده، ليس هو سبب الإباحة وانتفاء مسئولية الطبيب، سكوت بعض الفقهاء عن التصريح به، اكتفاء باستفادته من عدم التجاوز، رغم اشتراطهما معًا، لعدم وجوب الضمان.
فقد جاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق [4] ، بصدد عدم ضمان حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد"... قال في الكافي، عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز، وساكته عن الإذن، وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالإذن، ساكتة عن التجاوز، فصار ما نطق به هذا بيانًا"
(1) من أنصار هذا الرأي أيضًا: الدكتور أحمد شرف الدين، الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1403 هـ 1983 م ص 40 - 41.
(2) راجع في الموضوع للباحث: وجوب أخذ رأي المفتي قبل الحكم بالإعدام، في قانون الإجراءات الجنائية، دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، القاهرة 1995 م.
(3) في القتل الخطأ وشبه العمد باتفاق، وفي القتل العمد أيضًا عند الشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة، خلافًا للحنفية، وهي مندوبة فقط عند المالكية في القتل العمد الذي لم يقتص فيه، سواء أكان عدم القصاص راجعًا لمانع شرعي أم للعفو.
(4) لابن نجيم الحنفي، دار المعرفة، بيروت 1413 هـ 1993 م جـ 8 ص 33.