المطلب الثاني
مُسَوِّغات عمل المرأة، وضوابط عملها في الشريعة والقانون
نَبَّهَ كثيرٌ من المُصلِحين إلى خطورة خروج المرأة من البيت والانشغال بالعمل عن تربية الأجيال، يقول الشهيد سيّد قطب رحمه اللهُ: (إنّ خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة، أَمّا أنْ يتطوّع بها الناس، وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللّعنة التي تُصيب الأرواح والضمائر والعقول في عصر الانتكاس والشُّرود والضلال) [1] .
أوَّلًا: مُسَوِّغات عمل المرأة:
_عَمَلُ المرأة _وبخاصة خارج بيتها_ إمّا أن تكون له مُبرّرات واهية؛ كَحُبّ الخروج، أو كراهيتها للبقاء حبيسة البيت أو خاضعة لقوامة الزوج أو ولاية الأَب، أو تمرّد على الأوضاع المعيشية الصعبة، أو رغبة في الاختلاط المُحَرَّم، أو لتحقيق الذات وإيجاد الاستقلالية، أو لأسباب أخرى ...
_وقد يكون خُروجُها لِمُسوِّغات، وأسباب مقبولة، تُلجئها إلى الخروج للعمل؛ فهي إمَّا أنْ تعمل لحاجة لها تتعلَّق بها أو بأسرتها، أو لاحتياج المجتمع لها، وأمَّا احتياجها للعمل فيكون بفقدها المُعيل، أو عجزه عن الكَسْب رغم وجوده؛ إمّا لِمَرض أو لعدم توفّر فرصة عمل، ويُلاحَظُ أنّه نَدُرَ أن تفقد المرأةُ العائلَ في عصور الإسلام الزاهرة، فهي مكفولة من الأب أو الزوج أو أحد الأقارب، وإلاّ فالدولة تؤدّي دورها حيالها، واليوم ألجأت الضرورةُ كثيرًا من النساء إلى العمل داخل البيت أو خارجه، والضرورة تُقَدَّر بِقَدَرها؛ فَلا تَخرج المرأةُ مُتبرِّجة أو مُتعطِّرة، ولا تختلط بالرِّجال في طُرُق المواصلات أو مكاتب العَمل أو نحو هذا.
والقرآن الكريم يَعرض قصة بنات شعيب _عليه السلام_ لأخذ العِبرة واستنباط الأحكام؛ فالمرأة صنع اليهودُ منها ومن قضيتها رأس حربة ليثيروا بها القلاقل حول الدِّين الإسلامي، قال اللهُ - سبحانه وتعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) [2] .
فهذه الآية المنفردة والتى تَعْبُرُ العَيْنُ عليها في ثوانٍ أعطت قضية المرأة وحُكم خروجها عبر الاستنباطات التالية [3] :
_ففي قوله"وأبونا شيخ كبير"عِلَّة وعذر قدَّمتها الفتاة، وبالتالي أصبحت هناك قاعدة؛ وهي ألاّ تخرج المرأة بغير علة من بيتها، ولولا هذا ما رَدَّا على استفسار موسى _عليه السلام_ بشرح
(1) . يُنظَر: السلام العالَمي والإسلام، سيّد قطب، 72، ط: 13/ 2001 م، دار الشروق _القاهرة.
(2) . سورة القَصص، آية: 23.
(3) . يُنظَر: شُبهات وأباطيل خُصوم الإسلام والرّدّ عليها، الشيخ محمد متولّي الشعراوي، 60_64، 1983 م، مكتبة التراث الإسلامي. سماحة الإسلام، قريشي، 383.