المطلب الأول
مفهوم العمل، وحُكمه، وأدلة مشروعيته
إنّ قضية عمل المرأة، وخروجها من بيتها وقرارها، لا تزال الشغل الشاغل لليهود والنصارى، ومن سار بركبهم من أدعياء الحقوق والحريات، آخذين في سبيل تحقيق أهدافهم أساليب كثيرة؛ للقضاء على أهم حصون المسلمين، ألا وهي المرأة، فإذا قضَوْا على جوهر الأُسرة وعماد البناء، سَهُلَ لهم إحكام السيطرة على بقية الجسد، لأنّ المرأة نصف المجتمع، بل قُل هي كل المجتمع؛ لأنها هي مَن تلد النصف الثاني، ويأتي هذا البحث الموجَز لبيان حدود عمل المرأة المسلمة، بِمَا يحفظ كرامتها ويجعلها مصونة، وحاجاتها _في كَنَف الأَب أو الزوج أو الأهل_ مضمونة.
أوَّلًا: مفهوم العَمَل:
أ_ العمل لغة: المِهنة والقيام بفعل، والجمع أعمال [1] .
ب_ العمل اصطلاحًا: (الجهود البدنيّة والفكريّة المبذولة في الميدان العملّي؛ لتحقيق منفعة) .
_ وعليه يُراد بعمل المرأة: الجهود البدنيّة والفكريّة التي تبذلها الأنثى في الميدان العملّي؛ لتحقيق منفعة.
ويُلاحَظ من تعريف العمل أنه على نوعين: أحدهما بَدَنِيّ؛ أي الذي يَغلب فيه بَذْل جهد جسميّ، والآخَر فكريّ؛ أي يعتمد _في أغلبه_ على التفكير واستخدام الإبداع العقلي، ولا شك أنّ أي نوع من الأعمال يحتاج إلى النوعين.
ثانيًا: حُكم العمل، وأدلة مشروعيته:
أ_ حُكم العمل: شَرع اللهُ العملَ ودَعا إلى السعي في الأرض المُذلَّلَة؛ لتحصيل الرزق والاكتفاء الذاتي، وتحقيق مفهوم العبادة والاستخلاف الواسِعَيْن، للوصول إلى رضا الرحمن - سبحانه وتعالى -، والعمل كَمُعظم التصرفات؛ تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة تَبَعًا للدافع _النيّة_ والوسائل؛ وهو في الأصل _بِشَكل عام_ من سُنن المرسَلين، قام به كُلّ أنبياء الله، فَكَان لكل منهم مهنته وحِرفته التي منها يعتاش.
_ وينبغي التأكيد على أنّ المرأة في الإسلام لا تُجبَر على العمل للإنفاق على نفسها أو على غيرها من الآباء والأبناء والأقرباء، بل يُجبَرُ الرَّجلُ _سواء كان أبًا أو زوجًا أو ابنًا أو أخًا أو وليًّا_ على العمل؛ للإنفاق على نفسه وعلى مَن يعول من النساء، حيث إنّ الإنفاق من الرَّجل على المرأة واجبٌ شرعي يَحرم التخلّي عنه [2] .
(1) . يُنظَر: لسان العرب، ابن منظور، 11/ 475.
(2) . يُنظَر: حقوق المرأة المدنية والسياسية في الإسلام، د. محمد عبد القادر أبو فارس، 19، ط:1/ 2000 م، دار الفرقان _عَمَّان.