الصفحة 17 من 19

ثم قال معللا ذلك:"وأما المعاني مجردة، فالعقلاء مشتركون في فهمها، فلا يختص بذلك لسان دون غيره، فإذًا مَنْ فَهِمَ مقاصد الشرع من وضع الأحكام، وبلغ فيها رتبة العلم بها، ولو كان فهمه لها من طريق الترجمة باللسان الأعجمي، فلا فرق بينه وبين من فهمها من طريق اللسان العربي." [1]

على أن الحد ـ أو السقف ـ الذي يقف عنده اتباع الاستنباط المصلحي المستمد من المقاصد الشرعية، هو التصادم مع أصول الشريعة، كما قال الجويني رحمه الله:"إذا وجدنا أصلا استنبطنا منه معنى مناسبا للحكم، فيكفي فيه ألا يناقضه أصل من أصول الشريعة. ويكفي في الضبط فيه، استناده إلى أصل متفق الحكم. ومرجوعنا في ذلك، وجداننا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه و سلم مسترسلين في استنباط المصالح من أصول الشريعة، من غير توقع وقوف عند بعضها." [2]

هذا المجال الاجتهادي قريب مما يسميه الأصوليون (تحقيق المناط) مضافا إليه ما سماه الشاطبي (تحقيق المناط الخاص) [3] ، وأعني به الأحكام الاجتهادية التي يستلزمها أو يستتبعها تطبيق الحكم، ولا يكون الشرع قد نص عليها.

فالحكم الأصلي هنا يكون معلوما ومسلَّما، ولكن عند الأخذ في العمل به، نجد أنفسنا أمام تفصيلات تبعية غير محددة في أصل الحكم، أو نجد أمامنا عدة صور تنفيذية، لا ندري أيها المتعين، أو هل يمكننا التخير بينها. وقد نجد مشاكل وموانع أمام تنفيذ الحكم جزئيا أو كليا ... إلى غير ذلك من القضايا المرتبطة بالتنفيذ.

(1) نفسه 4/ 163

(2) البرهان 2/ 783

(3) يقسم الشاطبي تحقيق المناط إلى قسمين:"أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص كتعيين نوع المِثل في جزاء الصيد، ونوعِِ الرقبة في العتق في الكفارات، وما أشبه ذلك ..."

والضرب الثاني ما يرجع إلى تحقيق مناطٍ فيما تَحَقَّقَ مناطُ حكمه. فكأنَّ تحقيق المناط على قسمين: تحقيق عام وهو ما ذُكر، وتحقيق خاص من ذلك العام ...

وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص، نظرٌ في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ...

فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرَها على حمل أعبائها أو ضعفَها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها. فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف"الموافقات 4/ 97"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت