وكذلك طلب العلم، إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهودُ الجنائز وإقامةُ وظائف شرعية، إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضي فلا يُخرِج هذا العارضُ تلك الأمورَ عن أصولها، لأنها أصول الدين وقواعد المصالح، وهو المفهوم من مقاصد الشارع. فيجب فهمها حق الفهم، فإنها مثار اختلاف وتنازع" [1] "
وقد استعرض السرخسي عدة تعريفات توضيحية لمغزى الاستحسان، ثم قال:"وَحَاصِلُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّهُ تَرْكُ الْعُسْرِ لِلْيُسْرِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خَيْرُ دِينِكُمْ الْيُسْرُ} ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حِينَ وَجَّهَهُمَا إلَى الْيَمَنِ {يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا قَرِّبَا وَلَا تُنَفِّرَا} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَا إنَّ الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضُوا عِبَادَ اللَّهِ عِبَادَةَ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى} ..." [2]
أعني بـ (ما لا نص فيه) : القضايا والوقائعَ والتصرفاتِ والأشياءَ، التي لم يرد في حكمها نص خاص بها، وأيضا ليس لها نظير مطابق منصوص على حكمه، بحيث تدخل في معناه وحكمه. فهي إما أمور جديدة لا ذكر لها في النصوص أصلا، وإما أمور مختلفة اختلافا كبيرا وجوهريا عما ورد حكمه في النصوص.
فمثلا: السير على الطرق بواسطة السيارات والقطارات والدراجات النارية والهوائية، وكذلك السير في الهواء بواسطة الطائرات. وتلويث البيئة الطبيعية وتدميرها على النحو الذي يقع في زماننا، وأسلحة الدمار الشامل صُنعًا واستعمالا. وكذلك وسائل الاتصالات الحديثة، وما يتبعها من معاملات واستعمالات. وأيضا بنوك الحليب والأعضاء البشرية والحيوانات المنوية. ومثل ذلك التحكم الطبي في جنس الجنين. ومشاهدة التلفزيون وغيره من الصور، على اختلاف مضامينها وأغراضها ... هذه كلها مستجدات لا سابق لها ولا نص فيها بخصوصها.
وهناك قضايا لا تقل كثرة ولا أهمية، ليست جديدة تماما، بل لها أصول وأشكال قديمة، ولكنها تطورت بدرجة كبيرة، واتخذت أحجاما أو أشكالا أو أغراضا، تجعلها أقربَ إلى أن تُعَدََ جديدة ولا نص فيها، من أن تحشر في نصوص جزئية، أو أقيسة وتخريجات فقهية، لم توضع لها. ويدخل هنا كثير من التطورات الحديثة، التي عرفتها المعاملات المالية والقضايا الاقتصادية والأنظمة الاجتماعية. كما يدخل فيها كثير من القضايا السياسية والعسكرية، الداخلية والدولية.
(1) الموافقات 4/ 211
(2) المبسوط 12/ 355