هذا النوع من القضايا والذي قبله ـ ويجمعهما وصف: ما لا نص فيه ـ هو أوسع المجالات وأحوجها إلى الاعتماد عل مقاصد الشريعة ونصوصها العامة الكلية، عند أي نظر فيه أو اجتهاد له. وهو المجال الرابع من مجالات الاجتهاد الخمسة التي ذكرها الشيخ ابن عاشور، وذَكَر احتياج المجتهد فيها إلى معرفة المقاصد ومراعاتها. وعند شرحه لهذه المجالات الخمسة، بدأ بهذا المجال الرابع فقال:"أما النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا. وفي هذا النحو أثبتَ مالكٌ رحمه الله حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجية والتحسينية، وسمَّوْا الجميع بالمناسب" [1]
وأما الشيخ ابن بية، فجعل هذا المجال هو المنحى التاسع من مناحي الاستنجاد بالمقاصد، وعرَّفه ومثّلَ له بقوله:"إحداث حكم حيث لا توجد مناسبة معتبرة، وهو ما يسمى بالمناسب المرسل، الذي ترجع إليه المصالح المرسلة؛ كإحداث السجون من قِبل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لردع المجرمين ..." [2]
الاجتهاد المقاصدي في هذا المجال ـ كما نلاحظ في تعبيرات العلماء عنه ـ يكاد يكون مرادفا لمراعاة المصلحة والاحتكام إليها. ومن أقوى المستندات لهذا المسلك الاستصلاحي المهتدي بمقاصد الشريعة، عمل الصحابة ومنهجهم، كما قال إمام الحرمين:"فقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم ينوطون الأحكام بالمصالح"وقال"والذي تحقق لنا من مسلكهم: النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على اعتبار محاسن الشريعة" [3]
غير أن المصلحة المقصودة هنا، إنما هي المصلحة بمعانيها ومعاييرها ومراتبها الشرعية، فهي المصلحة بمضامينها الدينية والدنيوية، المصلحة المادية والمعنوية، المصلحة العاجلة والآجلة، هي مصلحة الأرزاق والأخلاق معا، هي مصلحة عموم الأمة ومصلحة فئاتها وأفرادها، هي مصلحة الحاضر والمستقبل، وهي حفظ الضروريات الخمس، التي تبدأ بالدين وتنتهي بالمال.
وفي ِشأن هذه الضروريات الخمس، قال أبو حامد الغزالي رحمه الله:"فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّت هَذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة." [4]
(1) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 184
(2) علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، ص 110
(3) البرهان 2/ 548
(4) المستصفى 1/ 438