الصفحة 6 من 19

مقصوده ومرتبط بمقصوده وتابع له. فسواء تعلق الأمر بلفظ من ألفاظ الشريعة، أو نصٍّ من نصوصها، أو قاعدة من قواعدها، أو حكم من أحكامها، مستخرجٍ منها، أو مُخَرَّجٍ على أصولها الجزئية أو الكلية، ففي كل ذلك مقاصد مطلوبة للشارع، لا يستقيم شيء من الشريعة إلا بها.

وعلى قدر النقص في معرفة المقاصد بمختلف مستوياتها، أو على قدر النقص في استحضارها واعتبارها، يكون الخلل والزلل في الاجتهادات والاستنباطات. وقد حذر الشاطبي من زلة العالم وما يترتب عليها من أخطار وأضرار، قد تستمر في الأمة أزمانا متطاولة، فذكر أن هذه الزلات"أكثر ما تكون، عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه ..."وكذلك ـ يضيف ـ ..."فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته ..." [1]

من المعلوم ـ كما تقدم قبل قليل ـ أن أولى الخطوات في أي عمل استنباطي، هو النظر في النصوص الشرعية الواردة في الموضوع، وتحديدُ دلالاتها اللغوية والاصطلاحية والسياقية. وإذا كان تحديد المعنى اللغوي الصرف لا يحتاج إلى نظر مقاصدي أو جهد استنباطي، فإن تحديد المعنى الاصطلاحي، وبدرجة أكبر المعنى السياقي، لا يكاد يستغني عن ذلك كما هو مشاهد ومعلوم. وهنا تأتي المقاصد لتكُون الموجِّه الأساسي للمجتهد والناظر في نصوص الشرع وألفاظه وعباراته، بناء على قاعدة"تبعية الدلالة للإرادة" [2] . فإرادة المتكلم وقصده في كلامه هو الحَكَم الأول والأخير، في تحديد معنى أي لفظ أو عبارة. قال الآمدي:"دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذواتها، ... وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته" [3] .وهنا بيت القصيد؛ وهو أن معرفة مقصود الشارع من سياق كلامه أو عبارته، لا تتأتى ولا تنقاد، إلا لمن له خبرة سابقة بمجمل مقاصده وما يريده وما لا يريده، وما يُقبل عنده وما لا يقبل."وهذا المساق يختص بمعرفته العارفون بمقاصد الشارع"، كما يقول الشاطبي. [4]

خلاصة المسألة أن الألفاظ ودلالاتها اللغوية الأصلية، ليست هي المحدد الوحيد للمعاني والدلالات الشرعية، بل لا بد من البحث عن المعنى السياقي ومقاصد الشرع فيه. وهذا هو المنهج الذي سنَّه لنا الصحابة، كما يقول ابن القيم:"وقد كانت"

(1) الموافقات 4/ 101

(2) انظر (القواعد الفقهية والأصولية على مذهب الإمامية) 1/ 17، إعداد لجنه علمية بإشراف محمد علي التسخيري

(3) الإحكام 2 /

(4) الموافقات 3/ 276

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت