الصفحة 5 من 19

وفي زمننا اليوم، نهض لهذا الموضوع فنهض به، شيخنا العلامة عبد الله بن بية، فأبدع وأمتع، وخاصة في المبحث الرابع من كتابه (علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه) . وهو المبحث الذي سماه"الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها" [1]

وقد بدأه بتأكيد ما ذهب إليه الشاطبي من قبل، فذكر أن"أول استثمار لها (أي للمقاصد) هو ترشيح المستثمر لها، الذي هو المجتهد، ليكون مجتهدا موصوفا بهذا الوصف، فلا بد من اتصافه بمعرفة المقاصد." [2] . ثم عرض رأي ابن عاشور المتقدم، ثم قال:"ولبيان ما دندن حوله أبو المقاصد أبو إسحاق الشاطبي، والعلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رحمهما الله تعالى، نقول: إنه يُستنجَد بالمقاصد في أكثر من عشرين منحى من مسائل الأصول ..." [3] . والحقيقة أنه قد أوصلها إلي ثلاثين وجها، هي كلها تقريبا عبارة عن قواعد أصولية، لغوية واستدلالية، تَمَّ تطعيمها وتسديد العمل بها، باستحضار الفكرة المقاصدية والنظر المقاصدي في إعمالها.

وبعد أن استعرض الشيخ الجليل هذه المناحي الثلاثين للاستنجاد بالمقاصد، قال حفظه الله:"وهذه المناحي التي تسجَّل لأول مرة، لو أردنا نشرها ـ كما تنشر بعد الطية الكتبُ ـ لكانت جزءا كبيرا، لكن مقصودنا من هذا هو الإشارة إلى أن المقاصد هي أصول الفقه بعينها [4] ، وهذه المناحي والمدارك أمثلة للوشائج الحميمة والتداخل والتواصل. ولو أمعنا النظر وأعملنا الفكر لأضفنا إليها غيرها. فأقول لطالب العلم: انحُ هذا النحو ..." [5]

أقول: فها أنا ذا أنحو هذا النحو، مستعينا بالله، ثم مستهديا بالذين سبقوا فأفادوا ومهدوا {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} [6]

القضية الكلية: أن لا تغيب المقاصد

قبل النظر بشيء من التفصيل والتمثيل، في بعض مناحي العمل بالمقاصد وكيفية الاستنجاد بها في الاجتهاد والاستنباط، أقول بصفة إجمالية: يلزم الفقيهَ والمجتهدَ والمستنبِطَ، أن يكون مستحضرا على الدوام، أنَّ كل شيء من الشريعة له

(1) علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، ص 95

(2) نفسه

(3) نفسه، ص 99

(4) هذا خلافُ ما ذهب إليه الشيخ ابن عاشور، من الدعوة إلى تأسيس علم مستقل لمقاصد الشريعة. والذي أراه في هذا الموضوع هو أن (الفكرة المقاصدية) لا يمكن أن تنفك عن علم أصول الفقه، على نحو ما قرره وبينه الشيخ ابن بية. لكن (الدراسات المقاصدية) شيئ آخر، وهي آخذة طريقها، بنمو واطراد، نحو ما بشر به ابن عاشور.

(5) نفسه، ص 131

(6) سورة الأنعام، الآية 90

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت