من تلك العَين باعتبار نوعها، نحو {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، أو باعتبار المقام نحو {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] ، فيقدَّر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق، أو يقال: أقيم اسم الذات مقام الفعل المقصود منها للمبالغة، فإذا تعين ما تقصد له، قُصر التحريم والتحليل على ذلك" [1] "
فبعض الفقهاء قد يُدخلون ـ إذا أغفلوا المقصد ـ في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، أشياء عديدة سوى الأكل وما في حكمه، كتحريم الأحذية أو الأحزمة المصنوعة من جلد الخنزير، أو تحريم الاستفادة من صوف الميتة، أو نحوِ ذلك من وجوه الانتفاع الممكنة، مما هو غير مقصود بالتحريم المنصوص عليه في الآية، بل يُلتمس حكمه في غير هذا الموضع.
3 ـ ومن الأمثلة كذلك استشهاد بعض علماء الشيعة على إمامة علي رضي الله عنه بقوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ... } [2]
قال نجم الدين الطوفي:"واعلم أن هذه الآية من عُمَد الشيعة، وعند التحقيق واعتبار ما سبقها وما لحقها، لا حجة لهم فيها بوجه. والذي قرروه ضرب من الشبهة، وإنما مقصودها التعلق بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والإعراض عن ولاية اليهود والنصارى والمشركين ..." [3]
فالمقصد الذي سيقت له الآية، ونطقت به ألفاظها، هو الذي يحدد معناها ومناطها. وما سوى ذلك فهو تقصيد وتقويل بغير دليل.
1 ـ حديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ... «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . [4] فبعض الفقهاء تمسكوا بظاهر اللفظ، فحملوا الإسراع على شدة المشي الذي يداني الجري، وبعضهم ـ كابن حزم الظاهري ـ حمله أيضا على الوجوب. وأما الجمهور ففهموا المقصد الإرشادي في المسألة، فحملوا الأمر أولا على الاستحباب لا على الوجوب، وحملوه على مشيٍ يزيد على المشي العادي، لكنه لا يصل إلى حد الشدة والإجهاد. قال في الفتح:"وَالْحَاصِل أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِسْرَاع لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى شِدَّة يُخَاف مَعَهَا حُدُوث مَفْسَدَة بِالْمَيِّتِ، أَوْ مَشَقَّة عَلَى الْحَامِل أَوْ"
(1) التحرير والتنوير، عند تفسير الآية 173 من سورة البقرة
(2) سورة المائدة، الآية 55
(3) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية 2/ 124
(4) الحديث في الصحيحين وغيرهما، في أبواب الجنائز