الصفحة 7 من 19

الصحابة أفهَمَ الأمةِ لمراد نبيها وأتْبعَ له. وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده" [1] "

1 ـ قوله تعالى {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [2] [البقرة/275]

ورد النهي عن"أكل"أموال الربا في هذه الآية وفي غيرها. ومثل ذلك ورودُ النهي ـ عموما ـ عن أكل الأموال بالباطل، وعن أكل أموال اليتامى خاصة. وبالنظر إلى الدلالات اللغوية، فإن"الأكل"معروف ... ولكن بالنظر إلى السياقات المحيطة باللفظ، وباستحضار صاحب الخطاب ومقاصده، فإن المعنى يختلف كثيرا. ذلك أن الأكل المعروف لا يكون لـ"الأموال"، فلا أحد يأكل الأموال، وإنما يأكل الناسُ الأشياءَ القابلة للأكل. وإلى هذا الحد نستطيع أن نفهم أن"الأكل"هنا هو كناية عن الاستعمال والاستهلاك ومختلفِ وجوه الصرف لهذه الأموال المنهي عن أكلها. فيدخل فيه استعمالها ـ مثلا ـ في الشرب واللباس واتخاذ السكن وتأثيته منها ...

ولكن بمزيد من الاستحضار والتعقل لمقاصد الخطاب، ندرك أن المعبَّر عنه بالأكل في الآية المذكورة والآيات الشبيهة بها، يدخل فيه كل ما سبق، ويدخل فيه أيضا الكسبُ والتملك، بل وأصل التصرف والتعامل المفضي إلى الكسب والأكل. ولذلك ذهب الإمام الطبري إلى أن قوله تعالى (يأكلون الربا) ، معناه"يُرْبون". ثم قال رحمه الله:"فإن قال لنا قائل: أفرأيتَ مَنْ عمِلَ ما نهى الله عنه مِنْ عَمَلِ الربا في تجارته ولم يأكله، أيستحق هذا الوعيد من الله؟ قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكل ... ، وأن التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا، وأنَّ سواءً العملُ به، وأكله، وأخذه، وإعطاؤه ..." [3]

2 ـ وفي الآيات التي ذكرَتْ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، لم يقع التصريح بالذي حُرِّم فيها، فبقي كأنه عامٌّ في كل شيء منها، مع أن المقصود بالتحريم إنما هو الأكل. فاللفظ هنا أعم من الأكل، ولكن المقصود الأكل. بخلاف الآيات السابقة، حيث ذُكر الأكل، والمقصود أعم من الأكل. قال ابن عاشور:"وإضافةُ التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها، هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأَعيان، ومحمله على تحريم ما يُقصد"

(1) اعلام الموقعين 1/ 219

(2) سورة البقرة، الآية 275

(3) تفسير الطبري، عند تفسير الآية المذكورة (البقرة، 275)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت