إليه الطيبي النهيُ عن كسب الحرام وتعاطي ما ينفر منه المتقي، فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعا ولا تخالل إلا تقيا." [1] "
القياس من أصله قائم على اعتبار المعقولية والتعليل والعدل في أحكام الشريعة. ولذلك فالقياس الصحيح المنَزَّل في محله إنما هو تحقيق لقصد الشارع وحكمته وعدله.
وإذا كان الفهم الصحيح لنصوص الشرع، لا يتم ولا يستقيم إلا بمعرفة مقاصده، واستحضارها ومراعاتها، فإن هذا هو عين ما يلزم في إجراء القياس وسلامته. وسبب الزلل هناك هو نفسه هنا، ألا وهو الجهل بمقاصد الشريعة أو الغفلةُ عنها. قال الإمام ابن تيمية"الْعِلْمَ بِصَحِيحِ الْقِيَاسِ وَفَاسِدِهِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ. وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِأَسْرَارِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمَحَاسِنِ الَّتِي تَفُوقُ التَّعْدَادَ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالنِّعْمَةِ السَّابِغَةِ وَالْعَدْلِ التَّامِّ" [2]
وقد نَقَل ابن القيم أن ِابن الْمُبَارَكِ سئل:"مَتَى يُفْتِي الرَّجُل؟ قَالَ: إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ، بَصِيرًا بِالرَّأْيِ."
وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: مَتَى يَجِبُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ بَصِيرًا بِالرَّأْيِ بَصِيرًا بِالْأَثَرِ."ثم وضح ابن القيم هذين القولين، بقوله:": يُرِيدَانِ بِالرَّأْيِ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالْمَعَانِيَ وَالْعِلَلَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي عَلَّقَ الشَّارِعُ بِهَا الْأَحْكَامَ وَجَعَلَهَا مُؤَثِّرَةً فِيهَا طَرْدًا وَعَكْسًا" [3] "
فالذي لا يكون بصيرا بالقياس الصحيح، وبالمعاني والعلل الصحيحة التي يُبنى عليها، يَسقط في الأقيسة الحَرْفية الصورية، الخالية من مقاصد الشرع أو المجافية لها، مثلما يسقط في التفسيرات الحَرفية الظاهرية لنصوص الشرع وألفاظه. وكما أن الجمود اللفظي والغلو فيه يؤديان إلى القول بمعانٍ غريبة مستهجنة، فكذلك الشأن مع الجمود القياسي والمغالاة فيه. فكِلا المسلكين ضرب من الظاهرية السطحية، التي تؤدي إلى تجميد الشريعة وتشويه أحكامها. وهذا ما عناه ابن العربي بقوله:"فإن في اتباع الظاهر على وجهه هدمَ الشريعة، حسبما بيناه في غير ما موضع" [4]
(1) فيض القدير 6/ 525 وانظر تحفة الأحوذي، للمباركفوري 6/ 184
(2) مجموع الفتاوى 4/ 363 والنص بتمامه عند ابن القيم أيضا: اعلام الموقعين 2/ 57
(3) اعلام الموقعين 1/ 59
(4) أحكام القرآن 1/ 29