الْمُشَيِّع، لِئَلَّا يُنَافِي الْمَقْصُود مِنْ النَّظَافَة، أوَ إِدْخَالُ الْمَشَقَّة عَلَى الْمُسْلِم، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَقْصُود الْحَدِيث أَنْ لَا يُتَبَاطَأ بِالْمَيِّتِ عَنْ الدَّفْن، وَلِأَنَّ التَّبَاطُؤ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى التَّبَاهِي وَالِاخْتِيَال." [1] "
2 ـ حديث علي رضي الله عنه عَلِىٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» . [2]
الحقيقة أن جميع مفردات هذا الحديث تتفاوت دلالاتها ومقتضياتها، تبعا لإعمال النظر التعليلي المقاصدي، أو الوقوف مع المعاني التعبدية، أو مع ظواهر الألفاظ وحدودها اللغوية. ولكني أقتصر على الشطر الأول من الحديث، وعلى بعض يندرج فيه. فقد استدل بعض الفقهاء بلفظ الحديث"مفتاح الصلاة الطهور"، على أن العاجز عن الوضوء والتيمم لا يصلي، لأنه لم يحز مفتاح الصلاة الذي هو الطهارة بالوضوء أو التيمم. ومن لم يملك مفتاح الصلاة، فالصلاة مغلقة في وجهه. وهذا النظر غفل عن مقصود الحديث، فحمَّله أكثر من قصده. فالحديث إنما يعطي حكم القادرين على الطهارة، سواء الأصلية أو البدلية. وأما العاجز حتى عن التيمم، لا بنفسه ولا بمساعدة غيره، فهذا من الصور النادرة جدا. والصور النادرة قد لا تدخل حتى في منطوق الكلام وعمومه الصريح، فكيف بالمفهوم؟!
أما من تعذر عليه الوضوء والتيمم، هل يصلي أو لا يصلي، فيؤخذ حكمه من أدلة أخرى. ومنها قاعدة"الميسور لا يسقط بالمعسور"، التي تعني ـ في موضوعنا ـ أن العجز عن الطهارة لا يُسقط الصلاة.
3 ـ حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه، قال: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» [3]
فهذا الحديث إذا أُخِذ بظاهره وحرفيته دون نظر في مقصوده ومرماه، يؤدي إلى قطيعة تامة بين المؤمنين الصالحين، ومن سواهم من غير المؤمنين وغير المتقين؛ فلا تبقى علاقة معهم ولا إحسان إليهم. وهذا خلافُ قصدِ الشارع في بذل البر والإحسان، ومخالطة الناس ودعوتهم إلى الله وإلى صراطه المستقيم. ولذلك نبه عدد من شراح الحديث على أن هذا ليس هو مقصود الحديث الشريف. قال المناوي:"وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين بل يطعمه ولا يخالطه، والحاصل أن مقصود الحديث كما أشار"
(1) فتح الباري 4/ 371
(2) سنن أبي داود، باب فرض الوضوء
(3) صحيح ابن حبان، باب الصحبة والمجالسة