ومن القواعد التي أخذ بها الأئمة لدفع المبالغة في القياس أو وضعه في غير موضعه أوفي غير مرتبته، تقديمهم الاعتماد على كليات الشريعة قبل اللجوء إلى القياس الجزئي. وهذا ثابت عن الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي. وقد أورد إمام الحرمين رأي الإمام الشافعي بأن المجتهد يبحث عن الحكم المطلوب أولًا في نصوص الكتاب، ثم في نصوص السنة، بدءًا بالمتواتر منها، ثم الآحاد ... قال"فإن عَدم المطلوبَ في هذه الدرجات لم يخض في القياس بعد، ولكنه ينظر في كليات الشرع ومصالحها العامة. وعدَّ الشافعي من هذا الفن إيجاب القصاص في المُثَقَّل، فإنَّ نفيه يخرم قاعدة الزجر. ثم إذا لم يجد في الواقعة مصلحة عامة، التفت إلى مواضع الإجماع، فإن وجدهم أطبقوا على حكم نصوا عليه فقد كفَوْه مؤنة البحث والفحص. فإن عدم ذلك خاض في القياس ..." [1]
وإذا كانت كليات الشرع ومصالحه العامة تقدم على القياس وتَحْجُبه، أيًًّا كان حكمه ومقتضاه، فمن باب أولى أن تقدَّم عليه إذا اقتضى شيئًا أو أفضى إلى شيء يتنافى معها. وهذا لا يقتضي إبطال القياس أو الطعن في حجيته ومشروعيته، وإنما يعني أنه قد استعمل في غير موضعه، أو بغير شروط صحته. وقد أجاد ابن القيم غاية الإجادة وأبلى البلاء الحسن، في بيان حالات كثيرة أسيئ فيها استعمال القياس، فأوقع أصحابَه في معضلات، أقَلُّها لجوؤهم إلى القول بأن في الشريعة أحكاما جاءت على خلاف القياس. والحقيقة أن الشريعة إنما تخالف الأقيسة الفاسدة، التي تتم بمعزل عن حِكَم الشريعة ومقاصدها. [2]
وتلافيا للغلو في الظاهرية اللفظية أو القياسية، فإن العلماء سلكوا مسلكا استدلاليا أطلقوا عليه اسم الاستحسان. وبغض النظر عن النقاشات والمساجلات اللغوية والفنية حول مصطلح الاستحسان، ومدى الحجية الاستقلالية لهذا"الدليل"، فإن مما لاشك فيه أن للأئمة والفقهاء المجتهدين، مسالك اجتهادية يلجأون إليها ويسلكونها كلما واجهوا استنتاجات وتخريجات لفظية أو قياسية، تجافي مقاصد الشريعة وتخرم مصالحها القطعية. وكان لفظ الاستحسان هو الاصطلاح الجامع الأكثر استعمالا للتعبير عن هذه المسالك، التي ليست في الحقيقة سوى مسالك مقاصدية استصلاحية. وقد نقل ابن حزم ـ وغيره ـ قولة بليغة للإمام مالك، عن"أصبغ بن الفرج قال: سمعت ابن القاسم يقول: قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان، قال أصبغ بن الفرج: الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس" [3]
(1) البرهان 2/ 875
(2) انظر اعلام الموقعين، خاصة الجزء الثاني منه
(3) الإحكام في أصول الأحكام، 6/ 757