ما أريد الوصول إليه هو أن القياس الفقهي الصرف، بخطواته وشروطه الشكلية المعروفة، محفوف بعدد من الاحتمالات الظنية، التي تجعل نتائجه غالبا بحاجة إلى نوع من الرقابة أو التصديق قبل اعتمادها. والفقيه الذي يجري الأقيسة وهو ناظر ومحتكم إلى مقاصد الشرع العامة، وإلى مقاصده أو مقصوده في المسألة الخاصة التي ينظر فيها، يكون قد أجرى القياس على هدى من الشرع. وأما إذا غفل عن الحِكَم والمقاصد أو لم يتمكن من معرفتها في نازلته، فهذا الذي يحتاج قياسه إلى تصديق بَعْدِيٍّ، للتثبت من انسجامه وعدم تصادمه مع مقاصد الشريعة، وإلا وجب نقضه وعدم التصديق عليه.
ومن الأمثلة الواضحة والشهيرة في هذا الباب، قضية قتل الجماعة للواحد، وقتل الجماعة بالواحد. فقتل الجماعة للواحد هي أن يشترك شخصان أو ثلاثة أو أكثر في قتل شخص واحد. وقد ذهب الجمهور الأعظم من الصحابة والأئمة وفقهاء المذاهب، إلى أن الذين يشتركون متعمدين في قتل شخص واحد، يقتلون به جميعا. وهذا هو المعبر عنه بقتل الجماعة بالواحد. وعمدة هذا القول هو المقصد الشرعي الكلي في حفظ النفوس وحقن الدماء وردع العدوان عليها. إذ لو لم يُقتل المشتركون في الجريمة، لكان هذا تشجيعا على القتل وتهوينا لأمره. وأكثر جرائم القتل العمد تتم بالتواطئ والاشتراك. وعند عدم تطبيق القصاص على الجماعة، فإن هذا سيدفع حتى الذين كانوا سيقتلون بصورة فردية، يعمدون إلى إشراك غيرهم للإفلات من القصاص. مع أن القتل الجماعي هو في حد ذاته يعد درجة عالية الخطورة في سلم الإجرام والفساد في المجتمع. وهذا ما يحتم تشديد العقوبة، ولو بالقتل تعزيرا.
وأما المانعون من قتل الجماعة بالواحد فمستندهم النظر القياسي الظاهري. فالنصوص الشرعية جاءت بالقصاص والمماثلة فيه، فالنفس بالنفس، أي قتل الواحد بالواحد، وجاءت بأن الاعتداء لا يُرَدُّ بأكثر من مثله، ولا يجوز الإسراف في القتل ... وبناء عليه فالقتيل الواحد لا يقتل به إلا واحد، قياسا على ما هو معهود في العقوبات الشرعية. وذهب داود وغيره إلى أن الجماعة المشتركين في القتل لا يقتل منهم أي أحد، لتعذر المماثلة، وإنما عليهم الدية. قال الصنعاني مؤيدا هذا المذهب:"والظاهر قول داود، لأنه تعالى أوجب القصاص وهو المماثلة، وقد انتفت هنا. ثم موجب القصاص هو الجناية التي تَزهَق الروح بها، فإن زهقت بمجموعِ فِعْلِهِمْ، فكل فرد ليس بقاتل، فكيف يقتل عند الجمهور؟!" [1]
هذا النظر القياسي الظاهري تجاوزه الجمهور لتنافيه مع مقاصد الشريعة ومصالحها العليا، وإن اختلفت عباراتهم ومصطلحاتهم في تفسير ذلك. فالحنفية
(1) انظر: سبل السلام، كتاب الجنايات، 1/ 176